| كتابات الحق | بعد (10) سنوات .. جدلية الإحتلال والتحرير مرة أخرى

بعد (10) سنوات .. جدلية الإحتلال والتحرير مرة أخرى

  |   عدد القراءات : 18196
بعد (10) سنوات .. جدلية الإحتلال والتحرير مرة أخرى

العراق من البلدان النادرة التي يختلف شعبه فيما بينه على تعريف المفاهيم والمصطلحات في دلالة واضحة على الحالة الفكرية والثقافية المعقدة جداً التي تسيطر على المشهد السياسي والثقافي والإجتماعي في العراق ولأسباب كثير لست بصدد إستعراضها أو الحديث عنها .

إلا أن الإصطلاح الأبرز الذي يجري اليوم الحديث عنه رغم مرور عشر سنوات كاملة على ذكرى حدوثه هو قضية دخول القوات الأمريكية وحلفاءها إلى العراق ، هل كانت (تحرير) أم (إحتلال) ؟؟!!

نعم .. لا زالت هذه الجدلية في وصف وتعريف الحالة قائمة في العراق إلى يومنا هذا وعلى مختلف الصعد السياسية والثقافية والإجتماعية وغيرها بل على أشدها !!

فأنصار الوصف الأول (التحرير) يستدلون على صوابية وصفهم بأن طبيعة حكم نظام الطاغية صدام كانت حالة بدرجة عالية جداً من التعقيد والطغيان والتجبر في أجهزة حكم نظام صدام بحيث وصل إلى مرحلة (برأيهم) يستحيل معها تغيير أو إزاحة نظامه الحاكم إلا بتدخل خارجي عسكري على نمط إحتلال التحالف الغربي بقيادة أمريكا كالذي حصل في نيسان 2003م

بل أن بعض أنصار هذا الوصف يتحولون إلى مَلَكيين أكثر من الملك نفسه إن صح التعبير عندما يعتبرون أن وصف الحالة بالإحتلال غير واقعي وغير صحيح !

وبالنتيجة فإن هذه القوات هي بنظرهم (محررة) وذات فضل ومنة على العراق عندما أزاحت طغمة البعث وصدام .

وبعيداً عن التحليل النفسي لأنصار هذا الرأي ، وهم كثير وللأسف إلا أن الأمر أصبح يُنظر له على أنه (أمر واقع) وأن وصف القوات الغازية بأنها (إحتلال) هو نوع من نكران الجميل أو الواقع الذي كان يسيطر على حالتنا العراقية حتى ذلك الحين .

ومن المهم الإشارة بأن أصحاب هذا الرأي ليسوا بالضرورة أصحاب علاقة أو مصلحة لا سمح الله بالإحتلال وأجنداته ، إنما الكثير منهم سَلّم بنظرية (الأمر الواقع) وأن هذه القوات هي قوات (تحرير) .

 

أما أنصار الوصف الثاني (الإحتلال) فإن لهم أدلتهم ومُبرراتهم أيضاً وهي كثيرة ، ومنها :

1/ أن أول من أطلق على حالة دخول القوات الأجنبية للعراق في نيسان 2003 على أنها (إحتلال) هو الإحتلال نفسه ! ، فقد أضفى صدور قرار مجلس الأمن الدولي المرقم (1483) صِفة (الإحتلال) على القوات الأمريكية بمناسبة التسليم (الصوري) للسلطة من الحاكم المدني للإحتلال الأمريكي (بول برايمر) إلى (أياد علاوي) في 30/حزيران/2004م .

حيث جاء في تصدير هذا القرار ما نصه : ( إن مجلس الأمن , إذ يُرحب ببدء مرحلة جديدة على طريق إنتقال العراق إلى حكومة مُنتخبة إنتخاباً ديموقراطياً , وإذ يتطلع تحقيقاً لهذه الغاية الى إنهاء الإحتلال وتولي حكومة عراقية مؤقتة ومُستقلة وتامة السيادة لكامل المسؤولية والسُلطة بحلول 30/حزيران ـ يونيو/2004) . ومن الواضح من خلال هذا التصدير أنهُ وصف قوات التحالف على أنها قوات (إحتلال) .

 

وطبعاً فإن إعتراف الإحتلال بهذا الوصف جاء قبل ذلك بكثير وتحديداً فور إحتلال بغداد من أجل التخلص من تبعات وإلتزامات قانونية وأمنية مع البلد المحتل .

 

2/ أن الإحتلال جاء لتغيير حالة كانت بلاد الإحتلال نفسها (أمريكا) هي السبب الحقيقي والرئيسي في حصوله وبقاءه ألا وهو بقاء صدام في الحكم كل هذه المدة ، فكل مطلع يعلم بأن حزب البعث الذي جاء من خلاله صدام كان مجيئه في تموز 1968 بكامل تفاصيله من خلال المخابرات الأمريكية (C.I.Aوهو ما إعترف به علناً القيادي في حزب البعث آنذاك (علي صالح السعدي) عندما قال : (جئنا بقطار أمريكي ..) .

ثم تكرر الأمر خلال عدة فترات ومراحل أبرزها الإنتفاضة الشعبانية عام 1991 التي أجهضتها الولايات المتحدة الأمريكية عندما أطلقت يد القوات العسكرية المتبقية لصدام والسماح له بإستخدام الطائرات لقمع وإجهاض هذه الإنتفاضة التأريخية العظيمة . وهو أيضاً من الأمور التي تعترف بها الولايات المتحدة بلا تردد .

 

وحتى بعد إجهاض الإنتفاضة فإن المخابرات العالمية بقيادة أمريكا كانت ترفض دعم أو إفساح المجال لقوى المعارضة عموماً والمعارضة الإسلامية منها خصوصاً من أن تفتح مواجهة مسلحة مع نظام صدام .

بل أن الإمكانات العسكرية والإستخبارية المتطورة لدى الولايات المتحدة الأمريكية كانت كافية جداً لتوجيه ضربة أو تدبير عملية إغتيال لصدام وبسهولة ، خصوصاً في فترة الحصار في تسعينيات القرن الميلادي الماضي حيث التفكك والضعف في أجهزة أمن ومخابرات النظام الصدامي المباد ، لكن أمريكا لم تفعل أياً من ذلك بل إكتفت بضربات جوية تسببت بأذى الأبرياء من الشعب العراقي ولم تؤذي صدام قيد أنملة وإستمرت بمسرحية البحث عن أسلحة الدمار الشامل !

 

3/ أن أمريكا لم تكن يوماً صاحبة فضل أو منة على العراقيين عندما قامت بإسقاط نظام صدام ، إنما الأمر كما عبر المرجع العلامة الراحل السيد محمد حُسين فضل الله بأن (صدام هو أمانة أمريكا في العراق وقد إستردت هذه الأمانة ، فلا منة لها على أحد في ذلك) .




احمد رضا المؤمن