| كتابات الحق | مرحلة ما بعد المقاومة العسكرية الإصلاح ومشروع أهل الحق

مرحلة ما بعد المقاومة العسكرية الإصلاح ومشروع أهل الحق

  |   عدد القراءات : 17342
مرحلة ما بعد المقاومة العسكرية الإصلاح ومشروع أهل الحق

أحمد رضا المؤمن

لإصلاح .. كلمة كثر إستخدامها بعد سقوط صنم ساحة الفردوس في نيسان 2003م، بل إتخذها إسماً وشعاراً العشرات من الأحزاب والتيارات والكتل والمنظمات والمؤسسات في العراق ، فكل منهم يدعي وصلا بليلى الإصلاح في دلالة واضحة على أهمية وعلاقة الكلمة (الإصلاح) بالوضع العراقي الغارق في فساد متعدد الأبعاد

بجميع أنواعه بفعل الإرث من المراحل السابقة في ظل النظام البعثي المباد والإحتلال.

وقد إزدادت هذه الأهمية بعد الإخفاقات السياسية المتوالية، التي ورغم وجود بعض النجاحات في الساحة السياسية هنا وهناك، إلا أنها تتصاغر أمام الحاجة الكبيرة لإصلاح الوضع العراقي الكامل وبكل أشكاله، الإجتماعي والثقافي والزراعي والصناعي والإقتصادي والتربوي وحتى الأخلاقي.

وبعد توقف عمليات المقاومة المسلحة العسكرية للمقاومة تزامناً مع خروج آخر جُندي أمريكي من أرض العراق بتأريخ 31/كانون الأول/2011م، أعلن الشيخ قيس الخزعلي الأمين العام لحركة المقاومة الإسلامية (أهل الحق) من العراق في كلمة له بالمناسبة: إن رسالة (اهل الحق) أصبحت بعد خروج قوات الإحتلال رسالة إصلاحية تسعى لإصلاح العملية السياسية التي وصفها بـ(العرجاء). وهُنا تتبادر إلى الذهن جُملة من التساؤلات حول نوع وشكل وحجم وكيفية الإصلاح الذي تنوي حركة (أهل الحق) القيام به .

هل هو إصلاح شامل أم جزئي؟

هل يستهدف شرائح عراقية مُعينة أم جميع أبناء الشعب العراقي؟ هل يأمل( أهل الحق)أن يَنجَحوا في مَسعاهُم (الإصلاحي) في الوقت الذي فشل فيه العديد من الأحزاب والكُتل والتيارات والمؤسسات في العراق؟! ما هي آليات المشروع الإصلاحي الذي سيَتَبناه (أهل الحق)؟ هل هي آليات إقتصادية؟ أخلاقية؟ إيمانية؟ تعليمية؟ صناعية وتقنية؟ ما هي المدرسة الفكرية التي سيَستَنِد عليها المشروع الإصلاحي لأهل الحق ؟ هل هي مدرسة إسلامية ذات توجهات أصولية ؟ براغماتية ؟ مُعتدلة ؟ علمانية ؟ ليبرالية؟ قومية؟

ما هي ضَمانات نَجاح هذا المشروع أو الرسالة الإصلاحية ؟ فهل سيَكون تِكرارا وإعادة لشعارات أحزاب وشَخصيات سبقت (أهل الحق) في رفعه وإتخاذه شعاراً للإستهلاك الإنتخابي والتعبوي الحزبي؟!

وأسئلة أخرى كثيرة وكبيرة بالتوازي مع العنوان الكبير الذي تحمله حركة (أهل الحق)بما لها من رصيد نوعي ومُميز من العمليات العسكرية ضد قوات الإحتلال فترة وجودها في العراق.

المدرسة الإصلاحية الفكرية لأهل الحق

إن إطلالة سريعة على هوية حركة (أهل الحق) تكشف لنا وبوضوح أن المدرسة الفكرية التي تستند إليها الحركة تنتمي إلى شهيد الجمعة آية الله العظمى المرجع السيد مُحمد الصدر(قدس) ، وأن قياداتها وخصوصاً الخط الأول هُم من أبرز طلبة الشهيد الصدر.

وقيادة هذه الحركة، هُم أصلاً من طَلَبَة المدرسة الإصلاحية الصدرية التي قَلَبَت الموازين والمخططات في العراق رأساً على عقب بعد أن تصدى الشهيد السيد محمد الصدر للمرجعية وإتساع رُقعة مرجعيته وخصوصاً بعد إقامة صلاة الجمعة مُستفيداًُ من حالة الضعف التي كانت أجهزة النظام الصدامي تعاني منه بعد الإنتفاضة الشعبانية عام 1991م وفرض حصار إقتصادي مُنهِك.

فالشهيد الصدر الثاني حَقّق بنهضته الإصلاحية ـ والتي لم تستمر طويلاً ـ إنجازات عظيمة وكثيرة لا تخفى على أي باحث مُنصف وموضوعي وعلى أكثر من صعيد ومستوى.

هذه النهضة الإصلاحية التي جعلت أحاديث شباب الشيعة تتضمن مُفردات مُصطلحات الفقه والأصول والمعارف الإسلامية بدل مُفردات البعث والقائد الضرورة التي كان يسوقها إعلامه الموجه . فملأ فراغ الشباب بقضايا كثيرة جعلها في لُب إهتمامهم للسعي لإصلاحها بدل الإستسلام أمامها مُتحجّجين بالتقية المفرطة والخوف المبالغ.

فأصبحت قضايا إجتماعية حساسة في سُلّم أولويات الشباب الصدري ومشروعهم الإصلاحي كالعشائرية وقوانينها الجائرة المخالفة للشريعة وتوبة موظفي الدولة وسدنة العتبات المقدسة وشرائح إجتماعية وسياسية أخرى.

أي أن مشروع النهضة الإصلاحية التي قام بها السيد الصدر كانت ترتكز على أمور أهمها:

ـ المبادرة في الإصلاح والنزول للشارع بجميع شرائحه والتحرك من مُنطلق الفعل وليس رد الفعل.

ـ عَدَم جَعل المخاطر والمحاذير الأمنية والإجتماعية عائقاً يَلغي تكليف الفرد في الإصلاح ، فالداخلون في مشاريع الإصلاح وعلى طول التأريخ هُم من المضحين ولا يتوقعون أن تفرش الأرض لهُم وروداً ورياحين بل أشواكاً وحُفر.

ـ الأساس الفكري للمشروع الإصلاحي إسلامي إيماني أخلاقي تتحقق من خلاله النهضة.

ـ آلياته جميعها إسلامية ومُعاصرة ومُتاحة كالخطبة والتسجيل واللّقاء والمجلة والصورة والموعظة واللقاءات اليومية المباشرة مع المجتمع.

ـ إستعادة الدور الحضاري للحوزة بكُل أبعاده في قيادة الحياة والتأثير الإيجابي فيها وتطويرها.

ـ إستغلال الوقت وإستثماره بأقصى ما يُمكن قبل حدوث المتوقع بجريمة الإغتيال الآثمة.

أساس الإصلاح في الحالة العراقية:

لعل من المحير جداً أن نبحث جذور الفساد والإنحراف في الوضع العراقي الحالي ومعرفة منشأهُ،

هل هو بسبب ما وَرَثَهُ العراق من سياسات هوجاء للنظام المباد من حروب ونزاعات وما تسببت به من تدمير البنى التحتية؟،

هل هو بسبب الثقافة والسياسة الطائفية التي حَكَمَت العراق مُنذُ إستقلاله عام 1921م؟،

هل هو بسبب تآمر دول الجوار ومُحاربتها للعملية السياسية لأسباب كثيرة وأهمها التآمر من مُنطلق طائفي؟،

هل هو بسبب الإحتلال العسكري الأمريكي للعراق ؟، وهو سبب أصبح مُنتفياً بعد خروج هذه القوات؟،

هل هو بسبب تقاعُس أولي الأمر بجميع أنواعهم وأشكالهم عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحول مؤسسات النزاهة والرقابة والمحاسبة في البلاد إلى موضع التندر والإستهزاء لدى كُل العراقيين؟.

ولعلّنا نَستطيع تعداد العشرات بل المئات من الأسباب التي يُمكن أن تكون سبباً في الوضع العراقي الحالي بكُل سلبياته التي تثقل إمكانية تطوّره وتَحرّره من وَحل الفساد العميق وقيود إمكانية التحرك نحو الإصلاح، ولكن، ولكي يكون التحرّك نحو مشروع إصلاحي واقعي وحقيقي بعيد عن الشعارات الإستهلاكية الفضفاضة فإننا يجب أن ندرُس أصل المشكلة السياسية كُلها في العراق اليوم وهي تتعلق بمشكلة أساسية إسمها (الدستور).

فالدستور العراقي الذي كُتِبَت حُروفُه الأولى وخُطّت خُطوطه العريضة في عَهد سفير الإحتلال الأمريكي (بول بريمر) تضمن أخطاءً كثيرة ومقصودة أدت إلى الوضع العراقي المتشابك الحالي.

ولعل أهم مُشكلة في الدستور الحالي هي تأسيسه لمنهج المحاصَصَة دون الكفاءة ، فالمحاصَصَة هي الحاكمة في العراق اليوم بكُل أبعادها السياسية والثقافية والإجتماعية وغيرها . فأصبح من النادر أن نُشاهد الرجل المناسب في المكان المناسب لأن المبدأ الذي يقوم عليه تسلم المسؤوليات والمناصب في البلاد خاضع لمبدأ المحاصصات الطائفية والحزبية.

وَلَعَل سائل يَسأل: ما هو المقصود من مبدأ الكفاءة ؟ هل هو مفهوم معنوي أم إداري أم غيره؟

وما هي الضمانات في أن لا ينطلق صاحب الكفاءة من مُنطلقات طائفية أو قومية أو مناطقية أو غيرها تعود بنا إلى ما هو أسوأ من مبدأ المحاصصة الذي نسعى للتخلص منه ومن آثاره؟

وإذا كان لنا عبرة في غيرنا من الأمم والشعوب فها هي (لُبنان) تعيش وَمُنذ إتفاق الطائف عام 1989م حُكماً قائِماً على المحاصَصَة الدينية والطائفية لم يُحقق لها أي إستقرار ولا أمان ولا تَقدّم يذكر ، فهي وإلى يومنا هذا تعيش مُعاناة الكهرباء وبقية الخدمات ، تماماً كالعراق .. فكُل فريق لا يريد للفريق الآخر أن يُحقق إنجازاً من أي نوع خشية أن يُحسب له في رصيده السياسي وبالتالي لم يَعُد هُناك أمل حقيقي في إمكانية تطور هذه البلدان مع وجود ثقافة الصراع والتآمر بين فُرقاء ومؤسّسات الوطن الواحد.

الحل بمنظور « أهل الحق»

قبل الحديث عن معالم رؤية « أهل الحق»للإصلاح لا بُد من ذكر ما قاله الأمين العام لأهل الحق الشيخ قيس الخزعلي في وصف الوضع في العراق بالقول: ( إن ما يجري في العراق ليس فساداً ، بل هو حالة نهب .. فالفساد أقل منه بكثير ) أي أن العراق وصل إلى مرحلة مُعقدة وخطيرة جداً من الإنحراف القانونية والثقافي والأخلاقي والسياسي.

ويُشخّص الشيخ قيس الخزعلي حل الأزمة العراقية المزمنة بعدة أمور أبرزها وأهمها هو الدستور العراقي الحالي. ففي كلمة له مطلع عام 2012م في ذكرى المولد النبوي الشريف قال: (إن السبب الأساسي وراء كُل المشاكل التي يُعاني منها البلد هو الدستور الذي كُتب بإملاءات الإحتلال حينها والذي أراد من العراق أن يبقى ضعيفاً سياسياً وإقتصادياً وعَسكرياً لحسابات نَعتقد أن الأمن القومي الأمريكي وضمان أمن إسرائيل هو السبب الرئيسي وراءها).

فالدستور الحالي هو نتاج ظروف سياسية وإجتماعية مُضطربة مَرّت على العراق خلال سنوات الإحتلال الأمريكي ( نيسان 2003 ـ كانون الأول 2011 ) حَدَثَت خلالها أمور فظيعة من إرهاب ودَمار وقَتل وتَشريد وصراع ونزاع طائفي تغذيه دول إقليمية لا يروق لها التغير الحاصل في العراق والذي أعاد (بعض) الحقوق لفئات وطوائف طالما عانت الويلات من الأنظمة المبادة وخصوصاً نظام صدام.

الدستور العراقي جاء أول مرة بصيغته المؤقتة التي كَتَبَ مِسودتها الأمريكي اليهودي (نوح وايلدمان) وتم توقيعه من الفُرَقاء العراقيين على إستحياء من بَعضهم وبِتَحَفّظ شَديد من مراجع وعُلماء الدين.

ثُم جاء الدستور الدائم (الحالي) بنواقِصُه وإشكالاته الكثيرة والذي كاد مُكوّن أساسي في العراق أن يُجهِز عليه من خلال تصويته بالرفض في ثلاث مُحافظات لولا زيادة بسيطة في عدد المؤيدين لإقراره رَغبة في الإستقرار مع أمل في إصلاح وإتمام قوانينه وفقراته الكثيرة التي لم تكتمل لحد الآن.

ولكن هذا الدستور الذي يُفتَرض أن يكون المرجعية العليا التي يتفق حولها . فَشَل تماماً في إلزام الفُرقاء العراقيين بما جاء فيه ، فأصبح كُل فريق يُفسر فقراته بما يشتهيه ويتناغم مع مصالحه وطموحاته المختلفة.

ويبدو أن مهندسي الدستور الحالي لم تكُن نواياهُم سليمة أو على الأقل لم يكونوا بالكفاءة اللاّزمة من أجل إعداد دستور خال  من الثغرات أو الزوايا القانونية الحرجة والفقرات الغائمة التي قد يتمكّن كُل فريق من تفسيرها لصالحه كما هو الحال الآن .

ولأن الدستور هو أساس كُل شيء يؤدي إلى إتفاق المختلفين فيما بينهم فإن مسيرة الإصلاح وبحسب رؤية« أهل الحق» يجب أن تبدأ (بنيّة سليمة خيّرة وأمينة) من الدستور العراقي وفقراته التي تكثر فيها الثغرات ، فلا زال الدستور والقوانين في صالح القوي دون الضعيف ، وفي صالح المسؤول دون المواطن.

عندها يُمكن أن يكون الحديث بعد ذلك حول إصلاحات جديدة أخرى أسهل وأجدى ما دامت القاعدة الأساسية صلبة ومُستقيمة .

ولعل أبرز خطوة أو مُبادرة إصلاحية تقدم بها (أهل الحق) مؤخراً بخصوص الإصلاح الدستوري هي المطالبة بتغيير نظام الحكم في الدستور العراقي من (برلماني) إلى (رئاسي) ليتجنب رئيس الوزراء والمناصب التنفيذية الخضوع إلى مأساة المحاصصة والصفقات والضغوط التي تسلب كل قدرة وقرار وإرادة للسلطة التنفيذية المنتخبة وإيقاع الشلل بكل المشاريع والخطط المؤمل إنجازها خلال فترة ولاية هذا المسؤول أو ذاك.