| رجــال صدقــوا | الشهيد السعيد لـيث صـــاحب كـــــان مــــــؤمناً أن طريـــــق أهـــل الحـــق هــــــــو طريـــــــــــق الخـــــــــــــــــــــــلاص والتحــــــــــرُّر

الشهيد السعيد لـيث صـــاحب كـــــان مــــــؤمناً أن طريـــــق أهـــل الحـــق هــــــــو طريـــــــــــق الخـــــــــــــــــــــــلاص والتحــــــــــرُّر

  |   عدد القراءات : 12959
الشهيد السعيد لـيث صـــاحب كـــــان مــــــؤمناً أن طريـــــق أهـــل الحـــق هــــــــو طريـــــــــــق الخـــــــــــــــــــــــلاص والتحــــــــــرُّر

المستشار / خاص

عندما نتحدَّث عن الأحبَّة الشهداء، يتكسَّر الوقت فوق رؤوسنا، وينخلع القلب وتهتز شرفات الروح، وتهطل كلَّ شرايين الأبديَّة نازفة وهي تضجُّ بالبهاء.. لأنَّهم أثبتوا بتضحياتهم العظيمة، بأنَّ أبطال المقاومة الإسلاميَّة لا يُمكن أن يكونوا سلعة في أسواق الدنيا وبهرجها، وأثبتوا أنَّهم السبّاقون للبذل والعطاء والسخاء، ليمنحوا غيرهم الحريَّة، ويرفعوا عنهم أغلال الاحتلال والتجهيل والخضوع والخنوع، التي كانت تقيِّدهم، ولعلها ما زالت؟!

إنَّ الحديث عن الأحبَّة الشهداء يكون مختلفاً تماماً، لأننا نتحدَّث في سيرة أناس من طرازٍ خاص، يختلفون (في سجاياهم وحكاياتهم وخباياهم) عن الغير، ومازالت ذكراهم متربِّعة فوق عروش الأرواح والقلوب.. والحديث عن أبطال المقاومة الإسلاميَّة حديث له طعم ومذاق خاص، يجرُّنا للدخول في عوالمهم الغربية العجيبة، التي أشبه ما تكون بالأساطير التي سمعناها وقرأناها، لكنها كانت الحقيقة الثابتة التي سطَّروها، وهم يذودون عن الدِّين والمقدَّسات وعن تراب بلد الأنبياء والأولياء، تاركين الدنيا – كلَّ الدنيا- ببهرجها وزينتها خلف ظهورهم.

علينا أن نتذكَّر تلك القصص الرائعة لأبناء السيِّد الشهيد محمَّد محمَّد صادق الصدر (قُدِّس سرُّه)، والتي لا يمكننا المرور عليها مرور الكرام، لأنَّها المادّة الحيَّة لديمومتنا وبقائنا. فكيف ننسى من ترك عروسه بعد زفافه بيومين ليلتحق بإخوته المجاهدين؟ أم كيف ننسى من باع (جنبره) وغرفة أخشابه ليشتري بثمنهما ما يصفع به وجه الطائرات الأمريكيَّة؟

إنَّ الدماء الزكيَّة التي أهريقت من الأحبَّة الشهداء أبطال المقاومة، تُجبرنا على أن نبقى رابضين في صلاتنا خلف الولي الذي لا يموت أبداً، وتجبرنا أيضاً على عقد العزم أكثر في ممارسة خدمة الناس وخلاصهم من كلِّ قيد أو ظلم.

علينا أن نقف مليّاً عند الغايات النبيلة التي من أجلها قدَّم الأبطال مُهجهم، ولا ننسى بأنَّ أحبَّتنا الأبطال قد كتبوا لنا عهد الخلاص والحريَّة بمداد أرواحهم، وهذا ما يُحتمُّ علينا أن نكون أوفياء ونحن نتعاطى مع مختلف القضايا المصيريَّة، بل وحتى في جميع سلوكيّاتنا. كما علينا إدراك أنَّ الأبطال قدَّموا تلك التضحيات الكبيرة من أجل الحفاظ علينا وعلى كلِّ المنجزات والمكتسبات التي تحقَّقت، وبالتالي نحن ملزمون (على المستوى الشرعيّ والوطنيّ والأخلاقيّ) بالحفاظ على ذلك العطاء الكبير.

يلملم أولادك، أذيالك المتناثرة يا بغداد.. فها هنا عائلة مشرَّدة، وها هنا حريق.. وهنا بيوت مدمَّرة.. وهناك سرف دبابات للأمريكان ومن لف لفهم.. وهم يقرعون طبول الموت.. ولم تسلم منهم حتى الشوارع والجدران.. نار في كل مكان.. حيث الخراب والدمار، نسمع الصراخ والعويل.. أجل، نسمع صراخك يا بغداد.. وأنت تحضنين أولادك الموتى وتودعين آخرين.
تحت كل خطوة من خطوات الأمريكان تجف الأرض ويموت الزرع.. من هؤلاء يا بغداد؟ ومن أين أتت كل تلك الغربان؟ لتهدم البيوت وتوزع المخيّمات على أهلك بالمجان، هل نحن الغرباء؟ وهل أرضك ليست أرضنا؟ وهل غادرك الآباء لتصبحي مرتعاً للعتاة اللقطاء؟  
بغداد أجيبي.. فلِمَ كل هذا الصمت؟ وها هم أولادك يسقونك بدمائهم.. بيوت خاوية وألف سؤال يدور في الأذهان، إن كنت أنت أهلي وزرع صباي، فلِمَ يطلبون مني الرحيل؟ لِمَ أُهَجَّر من بيتي؟ وإلى أين أذهب؟ أي أرض تحمل خطواتي من بعدك يا بغداد؟ وأنت تاريخي وبيتي ومثواي، سقط أخي وسقط ولدي وها هي لحيتي مخضَّبة بدمائهم.. فماذا تريدين بعد؟ 
أسمعوني أيها الأمريكان... أيها الأوغاد.. اسمعوني يا ذيول الغيلان المدرَّعة والمدججة بالموت والحقد.. ها أنا أقف عار اليدين والصدر، لكني أغلي بالإيمان، فجدي حسين(ع)، وكفني قد لبسه قبلي مولى مقدس، فمن مثلي يركض بحاثاً عن الشهادة؟ أزرع نفسي في كل بيوت أهلي لأطمئن الأمهات ولتنام عيون الأطفال.. أدور في الأزقة والشوارع، وأحرس بيوت الله من أعدائه، ها أنا وتد، فمن يجروء يعبرني وندائي قد أرعب الدنيا، ونحن نردد بصوتٍ عالٍ (كلا كلا أمريكا.. كلا كلا للباطل)؟!
 
الولادة والنشأة
وعن سيرة الشهيد ونشأته يبدأ والد الشهيد حديثه قائلاً: (علي مع الحق والحق مع علي)، ولايمكن أن يجتمع الحق مع الباطل أبداً، والله قد أمر بالحق والعدل والإحسان وبذل النفس في سبيل الدين وحق الدفاع عن النفس والمال والعرض والأرض، ونحن قد ورثنا حب التضحية من الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ضرب لنا أروع الأمثال في ذلك، ولابد للمرء أن يقدّم التضحيات في سبيل دينه والدفاع عنه، ونحن نسير في خط الإمام الحسين (عليه السلام).
أما الحديث عن ولدي الشهيد ليث، وعن طفولته وصفاته، فكان (رحمه الله) منذ طفولته يتحلَّى بالشجاعة الكبيرة، وهذا ما يعرفه الجميع عنه، ولو سألت أيّ امرأة من نساء المنطقة عنه، لـ لطمت خدها أسفاً عليه، وقالت لك: لولا الشهيد ليث ورفاقه، لما بقي أهالي المنطقة على قيد الحياة حتى الآن.
وأيضا يتحدث أخو الشهيد قائلاً: أنا الأخ الأكبر للشهيد السعيد ليث صاحب فرحان الموسوي، وكانت تربيته منذ الطفولة تربية صالحة ولله الحمد، وكان مؤمناً في سلوكه وهو من أحفاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى أنه استشهد ولم يجدوا في جيبه إلا التربة الحسينية التي يسجد عليها في الصلاة. وكان سيرته بين الناس حسنة وطيبة، وكان كثيراً ما يسعى لمساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم، ولذلك كان محبوباً من قبل جميع أهالي المنطقة، إلى درجة أن نساء المنطقة لم يغيِّرن الملابس حتى مرور عام كامل على شهادته. ويضيف: استمد أخي الشهيد قوته وعزمه من الشهيد المولى المقدس السيد  محمد محمد صادق الصدر (قد سره)، وكان له دور كبير وملحوظ في مواجهة قوات الإحتلال والمجاميع الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة، وهذا ما يشهد به الجميع. ونسأل الله أن يسكنه فسيح جناته، ونسأله سبحانه أيضاً أن يُثبّتا على هذا الطريق القويم، طريق محمد وآل محمد، وأن ينصرنا على القوم الكافرين.
وعن ذات الموضوع تتحدث أخت الشهيد: أما عن أخلاقه وعلاقته بالناس، فهذا مما لا يُمكن اختصاره ببعض الكلمات، لأن سيرته وعلاقته بالجيران والأصدقاء، مازال الجميع يرددها، فقد كان مساعداً للجميع ومحبّاً لهم ويسعى في قضاء حوائجهم مهما كانت، فعلى سبيل المثال، كنت أنا أخته الكبرى وكان كثيراً ما يقوم بزيارتي والسؤال عن حال وقضاء حوائجي. كما أنه كان باراً بوالدي ووالدتي بطريقة رائعة وكبيرة، وفيما يخص الحديث عن عبادته وإلتزامه الديني، فيكفيه فخراً أنه لم يترك فرضاً واحداً من الفرائض في ذمته. حتى أن جميع الجيران قد تألموا كثيراً بشهادته، لأنهم كانوا يعرفون كيف كان يدافع عنهم، كان يتقدّم الصفوف في ذلك، ومازالوا يقولون: لقد خسرت المنطقة بطلاً كبيراً. 
 
الشهيد في أحضان المقاومة
وهنا يتحدث والد الشهيد قائلاً: كان ولدي الشهيد مؤمناً بضرورة الدفاع عن الناس ومواجهة الجماعات الإرهابية ومقاومة قوات الإحتلال، وكان مخلصاً لدينه وللجهة التي يؤمن بالوقوق معها، وهي (عصائب أهل الحق)، وكان منتمياً لها منذ البداية، حتى أنه قام ببيع غرفة نومه وحتى هاتفه، من أجل المساهمة في شراء الذخيرة له ولأخوته المقاومين الذين يواجهون قوات الإحتلال، وكان نشاطه ضد قوات الإحتلال لم يقتصر على منطقتنا فقط، بل كان يشارك في عمليّات خارج المنطقة، بل وحتى في المحافظات، لذا قد أطلق عليه رفاقه لقب (أبو الصولات).
وأيضاً يتحدث الأخ الأكبر للشهيد: بدأ الشهيد عمله الجهادي عندما تأزَّمت الأمور كثيراً، حيث إزدادت جرائم الإحتلال الأمريكي ضد الأبرياء، وكذلك إزدادت الهجمات ضد العوائل الآمنة من قبل تنظيم القاعدة، بل وبدأ موجة منظَّمة عمليّات الإغتيال. وفي إحدى المرّات، كان الشهيد يقوم بحراسة إحدى المساجد وهو جامع وحسينية (علي ولي الله)، وكانت الأوضاع في حينها متأزمة جداً، فاتصلت به وطلبت منه الرجوع إلى البيت، فقال كلمة آلمتني كثيراً، حيث قال: إذا أنا أعود لبيتي وغيري يعود لبيته خوفاً منهم، فأنهم سيدخلون علينا على بيوتنا، وهكذا استمر الشهيد في جهاده ومقاومته للإحتلال وتنظيم القاعدة ولم يتراجع منه، حتى أننا حاولنا إقناعه من خلال فكرة الزواج، وقمنا بتجهيز مستلزمات ذلك، من غرفة وأخشاب وبقية الأثاث، لكنه بعد أيام، قام ببيعها جميعاً، ليشتري بثمنها ذخيرة وأسلحة لمقاومة الإحتلال. وكان يستهدف قوات الإحتلال بالدرجة الأساس وحماية الناس بالدرجة الثانية، ولم يكن يحمل أحقاداً طائفية أبداً، على الرغم من أن المنطقة تعرَّضت إلى موجة تهجير كبيرة من تنظيم القاعدة وفلولهم ضد أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، بل كان يسعى لحماية الناس جميعاً من دون أي تمييز مذهبي، وهذا ما يشهد به الكثير من الناس.
 
من صور الجهاد والبطولة
يحرسون الأرض ويدافعون عن النساء والأطفال ويهبّون لنجدة المظلوم، من مثلهم؟ رجال حق لم تغمض لهم عين، باعوا الدنيا ليشتروا مرضاة الله سبحان الله وتعالى، فعين ترقب الطريق لترد المعتدي، وأخرى تخرُّ ساجدة لله جلَّ وعلا.
وهنا يتحدث والد الشهيد: وكان (رحمه الله) لا يهاب الموت أبداً في سبيل الله، بل كان يعتبر ذلك عرساً له، وكان همَّه الأول والأخير، هو مقاتلة الإحتلال الأمريكي وتنظيم القاعدة، وكان هو ورفاقه لهم مواقف عظيمة في ذلك، لو يطَّلع عليها الناس، لفقدوا مشاعرهم من عظمتها، فكانوا يقاتلون في أكثر من جبهة ضد الأمريكان والجماعات التكفيرية، وهم على قلَّتهم، وحتى أنا كنت أشاركهم في تلك البطولات، وذات يوم قال لي أحد الأبطال: لماذا أنت هنا، فأولادك معنا يقاتلون؟ فقلت له: أنا أرى بأن الإمام الحسين (عليه السلام) ينادي علينا ويطلب النصرة لهذه العوائل والنساء والأطفال، وأنا أيضاً أريد الشهادة وليس فقط أولادي. 
وأيضا يتحدث أحد أصدقاء الشهيد قائلاً: في إحدى المرّات وعندما بدأت واحدة من هجمات تنظيم القاعدة، رأينا الناس خائفة ومرعوبة كثيراً، وحينها قال الشهيد السيد ليث: لابد من مواجهتهم الآن ولاينبغي السكوت أبداً، وهكذا بدأ بالإنخراط في خط المقاومة، خط السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، وهنا لابد من كلمة مهمة، وهي أن الشهيد ليث كان يتمنى أن تكون انطلاقة العمل المقاوم ضد قوات الإحتلال مباشرة.
وهكذا بدأنا في حماية المنطقة وتوفير الحماية لأبنائها، لأن الحياة كانت شبه معطَّلة بسبب وجود الإرهابيين، فقمنا بتوفير الحماية للموظفين الذين لم يكونوا يستطيعوا الذهاب إلى عملهم وكذلك الطلبة إلى كليّاتهم والتلاميذ إلى مدارسهم. وهنا بدأت هجماتهم تزداد، وأخذنا بالمبيت في الشوارع المتقدّمة لمنطقتنا، وفي أحد الأيام سألته قائلاً: ما هي نهاية هذا الطريق الذي سلكناه؟ فأجابني: نهايته الخير والسعادة في كل حال، لأننا نقوم بحماية أنفسنا وندافع عن أرضنا وأطفالنا ونسائنا وجيراننا.
بعد هذه الفترة، طلب الشهيد السعيد السيد ليث، بأن نقوم بزرع العبوات في طريق وقات الإحتلال، لأنهم يقومون بتقديم الدعم لتلك الزمر الإرهابية، وهكذا بدأنا في بزرع العبوات في طريق الذي تمرُّ منه آليّات الإحتلال، ولله الحمد نجحنا في أول عملية ضدهم. وبعد فترة قليلة، طلبت قيادة المقاومة من الشهيد ليث بالإنضمام لها رسميا، والتفرُّغ لمقاومة الإحتلال فقط، وهكذا تفرَّغ الشهيد ليث لمقاومة الإحتلال، وكنت أحياناً أشترك معه في بعض العمليّات عندما يطلب مني هذا.
وفي ذات السياق يتحدث المجاهد أبو كرار/ صديق الشهيد: كان الشهيد السعيد ليث، من أقرب أصدقائي منذ بدايات الطفولة وحتى كبرنا، واستمرت علاقتي به (رحمه الله)، وعندما سقط النظام البعثي ودخلت قوات الإحتلال الأمريكي وبدأت تنتهك حرمات الناس، وكذلك بدأت المجاميع الإرهابية بالإعتداء على الناس، وهنا بدأنا بمواجهتهم والدفاع عن الناس وحرماتهم، لأن تنظيم القاعدة وجماعاته التكفيرية بدأ بحملات قتل وتهجير كبيرة ضد المناطق التي يقطنها أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، بل حتى قاموا بحرق الكثير من البيوت. فكنا في بداية الأمر نقوم بحراسة المناطق والتربُّص بتلك الجماعات التكفيريية، وشيئاً فشيئاً أخذ الكثير من الشباب ينضم إلينا، وهنا كان الشهيد السعيد السيد ليث، هو من يقوم بعملية تنظيم صفوفنا ومجاميعنا، وكذلك تنظيم الواجبات والعمل. لأن قوات الإحتلال كانت تقوم بدعم تلك المجاميع بشكل واضح وصريح، حيث توفّر له الحماية وتقديم المال والسلاح، من أجل الهجوم على المناطق الشيعية، والغرض تأجيج الفتنة الطائفية بين الناس. 
 
حادث الاستشهاد
وعن حادثة الاستشهاد يتحدث أحد أصدقاء الشهيد ويروي القصة فيقول: من أهم الأحداث التي لابد أن تذكر في مسيرة الشهيد ليث، هو أنه في أحد الأيام جاءني مسرعاً، وطلب مني كل ما موجود من سلاح، وعندما سألته عن السبب، قال أن هناك عائلة مهجَّرة وقد طلبت النجدة منا، وقد تبيَّن أن تلك النساء والأطفال من ضمن تنظيم القاعدة نفسه، وأن هذه مكيدة لإستدراج الشهيد ورفاقه إلى المنطقة التي فيها عصابات القاعدة، وبعد فترة سمعنا إطلاق نار كثيف، فخرجت مسرعاً ورأيت أحد الذين كانوا مع الشهيد وسألته عن الشهيد ليث، فقال لي بأنه قد أُصيب، فحملت سلاحي وتوجَّهت إلى المكان، وفي الأثناء رن الهاتف وكان المتصل هو رقم الشهيد، وعندما أجبته قال: أنا مصاب وأرجو مساعدتك الآن وبسرعة، وبعد فترة تبيّن لي أن الصوت ليس صوت الشهيد ليث، أي أنه كان كميناً لي أيضاً، فغيّرت وجهتي وذهبت إلى مكان قريب من المكان الذي تواجد فيه الشهيد، وهنا ألتقينا بقادة مجموعتنا ووضعنا خطة للدخول إلى المكان، وبالفعل بعد فترة دخلنا إلى البيت ولم نجد أزلام القاعدة، ووجدنا الشهيد ليث مضرجاً بدمه وكذلك من معه، وكانوا قد شوّهوا في جثمانه (رحمه الله)، وبعد فترة اتصلوا على هاتف الشهيد ليث، وقالوا: لقد نسينا أن نقطع رأسه ونأخذه معنا.
أنين أم لم ينقطع يوماً على ولدها، ذلك الشجاع الذي كانت تنام العيون على سمع وقع خطواته على الأرض، ولهذا لم ترضى بالدنيا له بديلاً، فالتحقت به لتحتضنه هناك بين الشهداء الأبرار، لتحل من بعدها أخت الشهيد التي كانت تزهو به وتفتخر، رغم الدموع التي تجري على خدها، فالشهيد كان أخاً وأبناً وكان وكان (رفعة راس)!
وهنا تقول أخت الشهيد: لقد ضحى أخي الشهيد السعيد البطل ليث بنفسه متأسياً بالإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى الرغم من مرارة فقد الشهيد، إلا أننا فخورين به وبتضحياته الكبيرة، التي مازال الجميع يتحدث عنها. 
وتضيف: كان خبر استشهاده علينا جميعاً كالصاعقة، وأنا بالذات لم أتحمله، لأنني خسارة الأخ لا تعوَّض أبداً، فكيف إذا كان أخاً من طراز الأبطال الكبار؟ حتى أنهم لم يسمحوا لنا برؤيته بعد أن جلبوا جثمانه، خوفاً من ردود أفعالنا في تلك اللحظة.   
الشهيد ليث لم يكن أبن بيته فقط، بل حسب نفسه أبن كل البيوت، فهذا خاله وتلك عمته وهذا أخوه وتلك أخته، وعندما سمعت كل تلك البيوت خبر إستشهاده، نهضت لتزفه إلى ما كان يتمناه، بل أغلى ما تمناه، وهي الشهادة على طريق أبي الأحرار الحسين (عليه السلام) والشهيد الصدر، الذي لم ينزع كفنه من على كتفه وهو يقارع الظلم والظالمين.
أما أبو الشهيد، فتلك حكاية أخرى، فرغم زهوه باستشهاد أبنه الشجاع وفرحه بشجاعته، إلا أنه كاد أن يفقد عينيه من كثرة البكاء على ولده، فالولد عزيز، لكن الدين والوطن أغلى، هكذا تعلَّم الآباء الشُجعان من الإمام الحسين (عليه السلام)، حين قدم أولاده الواحد تلو الآخر وهو يدافع عن دينه وعقيدته أمام أهل الكفر والإلحاد، وها هو التاريخ يُعيد نفسه.
حيث يقول والده: وعن يوم الشهادة يتحدّث والد الشهيد ويقول: تزامن استشهاده في نفس يوم شهادة أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) وقد اتصلوا بنا من محافظة البصرة، وقالوا بأنهم هناك قد أقاموا له مأتم عزاء، وجعلوا أسمه على أحد المواكب الحسينية، وقد شاركت في تشييعه جميع أهالي المنطقة، وهم من أقاموا له مجلس الفاتحة، وأنا فخور به غاية الفخر، لأنه ذهب في طريق الحق الأبطال، والغريب أن هناك من يقول بأن أمريكا قد انسحبت، والحال أنها لم تنسحب، بل خرجت منهزمة وخائبة بفعل أبطال المقاومة الشجعان، الذين لم يهابوا الموت أبداً.