الشهيد السعيد د. جاسم العبادي على الرغم من تفوِّق العلمي الباهر.. إلا أنه كان من السبّاقين في ميادين الجهاد والبطولة

 

لاشكَّ إن مشروع المقاومة في العراق، هو المنعطف الأبرز الذي استطاع أن يغيِّر المسار الذي تبنته الولايات المتحدة الامريكية في احتلال العراق، التي شاهدت بأن ما قام به أبطال المقاومة، قد تجاوز الأفق الأمريكي المرسوم للمرحلة، وبالتالي أصبح لزاماً عليها تغيير قواعد اللعبة والبحث عن آليات جديدة. فالحديث عن هذا المشروع الكبير، حديث طويل ومتشعب ولا يمكن اختزاله بهذه العجالة، فهو يمتد الى اعماق المشروع الكبير الذي نهض به السيد الولي الشهيد الصدر (طاب ثراه) من خلال برنامجه الإصلاحي المجتمعي، فقد كان يستهدف استنهاض الناس ضد المشروع الاستلابي الأمريكي والوقوف بوجهه، ولعل آثار سماحته الفكرية خير دليل على ذلك. ولأنَّهم الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى ورفعة، ولأنَّهم كانوا التوّاقين إلى أن يكونوا مشعلاً للخلاص والتحرُّر، ولأنَّهم أدركوا بأن الصدر العظيم، هو الشاخص الأبرز الذي لابدَّ أن يتوجَّهوا له، لعبور طريق الحرية الموحش، مستلهمين من بياض كفنه وشيبته الطُهر، بياض الحق ونصاعته، إنهم أبطال المقاومة في عصائب أهل الحق، الذين تساقطوا مثل الدموع فوق وجنات الوطن.

رجال من نوع خاص.. رجال تميَّزوا فاستحال الفكر لديهم قنابل.. رجال هيئوا أنفسهم للتألق، فاستحال التألق لديهم أديم رصاص.. رجال خلطوا الوعي والتفوِّق العلمي بذات الأنامل التي صنعت محرقة المحتل.. علَّ الكلمات اليوم تقف حيرى، ترصد أيان ترصد من مميزات بطل هذه الحلقة.

النبوغ العلمي والنشأة الرائعة

جاسم العبادي.. طفل كربلائي قدحت في ذهنه النباهة والذكاء مذ عرف القراءة والكتابة، خطَّت أنامله الرقيقة (العراق)، منذ كان لا يعرف من العراق سوى كربلاء وضريح مضرَّج بالذهب لـ(العبّاس)، وآخر يومي للقادمين أن تعالوا، تبرَّكوا واذرفوا الدموع عندي، وأرتوا من ماء الفرات الذي شحَّ عليّ، تعالوا وارتموا في ربوع حضن الحسين (عليه السلام).

جاسم العبادي، طفل عرفت قدماه درب المدرسة، فيسعة لها حثيثاً بكتبه وزوّادته البسيطة، كما عرفت أن تتخطى بين الحرمين لتدخل الضريح وترفع يداً بالدعاء والأخرى تلطم الصدر على إمامٍ ووطن.. هكذا بدأ الشهيد مشوار الشهادة.

وهنا يحدِّثنا شقيق الشهيد، سماحة الشيخ كاظم العبادي: في الواقع، أن الكلام عن الشهيد الشيخ جاسم العبادي له أبعاد ويدخل في مجالات عدَّة، لأنه كان يمتلك ميزات كثيرة، منها مستواه العلمي والذهني، ومنها مستواه الأخلاقي، واهتماماته الفكرية والعملية والجهادية، وكل واحد من هذه المجالات يمكن أن يكون فيه كلام كثير جداً، لكنني سأوجز ببعض المشاهدات الواقعية الحية، فقد كان الشهيد منذ صغره ملفت للنظر في دراسته، وقد أثار  أنتباهنا في تقدمه العلمي من بداية المراحل الأولى وحتى الكلية، كان يخرج من الأوائل في كل سنة، إن لم يكن هو الأول بالفعل، وكان هذا التفوِّق يجذب الانتباه بأن هذا الشاب له ذهنية تختلف عن الآخرين، وأن الله سبحانه وتعالى وفَّقه وأعطاه موهبة فكرية مميزة، وكان كثير الأسئلة، وكثيراً ما كان يسألني ويلحُّ في أسئلته، إلى درجة أني أنزعج من كثرة أسلئته، وأحيانا تكون محرجة وأخجل من عدم معرفة الأجوبة التي يطلبها.

وأيضاً يتحدَّث شقيقه الآخر سالم العبادي/ قائلاً: جاسم العبادي (رحمة الله عليه) هو شخصية مثالية، وكأنها استوحيت من عالم المثال، شخصية اجتمعت فيها جميع مقوِّمات القيادة، وعلى الرغم من صغر سنه (24) سنة، إلا أنها سنينه ملئت جهداً وجهاداً، وتفانياً وإخلاصاً، تركت بصماتها وآثارها في جميع النواحي.

ومن جهتها قالت (أم كاظم) والدة الشهيد عن سيرته ونشأته: كان ولدي الشهيد يمتلك أخلاقاً رفيعة، وكان باراً بي لدرجة كبيرة، حتى أنه كان يرفض أن أحضِّر له الطعام والشراب، وعندما كنت أسئله لماذا؟ كان يقول: كيف أرضى أن تقومي بخدمتي، والواجب عليَّ أن أخدمك أنا، وكان قليل الإهتمام بالدنيا، وقليل الطعام، وعلى الرغم من ذلك ترى النور في وجهه مشعاً واضحاً، وكان كثير الدرس والمطالعة، وكان في شهر رمضان لا يأكل إلاّ القليل من الأكل ولايكثر من أصناف الطعام، ويقول: هناك الكثير من الناس ليس لديهم ما يأكلونه، فكيف نأكل أنواع الأطعمة؟ والكثير من السلوكيات التي كان يتصف بها، والتي تدلُّ على زهده في الدينا وبساطته وابتعاده عن ملذاتها وبهرجها.

وفي ذات السياق يقول الشيخ ستار، صديق الشهيد: تعرَّفت على الشيخ الشهيد عندما كان في المرحلة الإعدادية، وكنت أنا أعمل حلاّقاً في المنطقة وكان يأتي عندي لغرض الحلاقة، وكان كثيراً ما يطرح المواضيع الدينية للنقاش، لاسيما المتعلِّقة بالسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره)، وكان يطرح الأدلة الكثير على أعلمية السيد الشهيد، وهو الحديث الذي كان متداولاً كثيراً، وكان يناقش بأسلوب غريب وفريد، وكنت أتعجَّب له، وكيف أن شاباً يافعاً يناقش بهذه الطريقة العلمية الرائعة وكأنه أحد رجال الدين الكِبار، وكان يتميِّز (رحمه الله) بلباقة كبيرة ونفوذ الحجة ورجاحة الرأي، وبصراحة لم أتعرَّف طيلة حياتي على شخصية تمتلك هذه القدرات العقلية الهائلة، مثل الشيخ الدكتور جاسم (رحمه الله).

دراسته العلمية ونبوغه الخارق

كان الشهيد جاسم العبادي قد لفت النظر إليه مبكراً، فقد أظهر إبداعاً وتميّزاً بدراسته الإبتدائية، فكان دائماً من الأوائل، بل من أوائل الأوائل، فقد كان يتمتَّع بذهنية تختلف عن الآخرين، وكان قليل من الليل ما يهجع، وكانت ساعات نومه تصل إلى ثلاثة أو أربع ساعات في اليوم فقط، وكان دليله في ذلك سماحة السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، أما ساعات الدرس، فكانت من ثمانية عشر ساعة إلى عشرين ساعة يومياً، وهكذا كانت بداية النبوغ لديه.

ويتحدَّث الشيخ كاظم العبادي قائلاً: كان لايمل من الدراسة، وفي بعض الأحيان أراه لا ينام، وفي بعض الأيام لا ينام إلا ثلاث ساعات فقط، وكنت استغرب من قدرته العجيبة التي تجعله قادراً على الاستمرار بالدرس لمدة ثمانية عشر ساعة يومياً، وكنت دائماً ما أساله من خشيتي عليه، واستفهم منه إن كان يشعر بتعب أو إضطراب أو ما شابه، لكن كان يجيبني بأنه قد أعتاد على هذا، وبالفعل فهو منذ صغره قد تعوَّد على هذا الحال، وهذه الميزة كانت عند علمائنا الكبار، وهذا ما كان يُنقل عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره).

وأيضاً يتحدَّث عن هذا الموضوع شقيقه سالم العبادي قائلاً: المستوى العلمي للشهيد له جانبان، الجانب هو الجانب الأكاديمي، والجانب الآخر هو الجانب الحوزوي، وفيما يتعلّق بالجانب الأكاديمي، فلأنني كنت في عمره تقريباً  ملازماً له في جميع المراحل الدراسية، ولم أتذكّر بأن واحد من زملائه قد تفوّق عليه دراسياً، لأنه يمتلك ذكاءً شديداً، وحتى السادس العلمي كان معدّل دراجته (99%) وتسعة أعشار، وقد أذهل الجميع في ذلك الوقت، ومن الطبيعي أن يُقبل في كلية الطب/ جامعة بغداد.

شهيدنا الغالي ورغبته في الدراسة الحوزوية

استمر الشهيد السعيد جاسم العبادي بتفوّقه بدراسته الأكاديمية واجتاز المرحلة الإبتدائية والمتوسطة بتفوّق باهر وبشهادة أساتذته ومدرّسيه، واستمر بتفوِّقه في المرحلة الإعدادية، ونزولاً عند رغبة الأهل، وخصوصاً الأب والأم، ولدماثة خلقه (رحمه الله)، وحنوه عليهما، وافق هواهم بما يخالف هواه، ودخل كلية الطب وهو غير راغب فيها.

وعن هذا الأمر يتحدَّث الشيخ كاظم العبادي: كنت متوّقعاً أن يترك الشيخ جاسم (رحمه الله) الدراسية الأكاديمية، لأنني كنت أرى فيه ألمعية علمية كبيرة، وهذا ما يجعله قابليّاته العلمية لا تتوقف عند حد، وهذا غير متوفر بالدراسة الأكاديمية، بل هو موجود في علوم أهل البيت (عليهم السلام) من خلال الدراسات الحوزوية، وكنت أخشى هذا الشعور، أقصد شعوري بتركه للدراسة الأكاديمية،  لأن رغبة الأهل كانت أن يكون أحد الأولاد طبيباً، وعندما أطلع (رحمه الله) على بعض المعارف الدينية والحوزوية والثقافية في علوم أهل البيت (عليهم السلام)، خصوصاً وأنه كان متأثِّراً بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) والمستوى العلمي الكبير الذي وصله إليه، وكونه مدرسة متكاملة، وليس منظِّراً فقط، بل هو صاحب مدرسة فكرية تجديدية، حتى أن السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره)، هو نتاج مدرسة السيد الشهيد محمد باقر الصدر. وفعلاً وفي أحد الأيام جاءني الشهيد وقال لي بأن هناك أمراً مهماً يريد أن يحدثّني فيه ويرجو مساعدتي فيه، لأنني أكثر من أتفهَّم الأمر، لاسيَّما وأن الأمر سيجد معارضة من قبل الأهل لا محالة، وقال بأنه يريد أن يدخل في الدراسات الحوزوية، لأنه قد درس بعض المقدمات وقد وجد نفسه فيها وانسجم معها تماماً، وبعد مناقشته في الأمر كثيراً وافقت على طلبه، لأنني وجدته مصرِّاً على الأمر، وهكذا بدأت أشرف على دراسته الحوزوية ولمدة قليلة، لأنني رأيت نفسي لا أُقدِّم له شيئاً نافعاً، فبدأت أحيله إلى غيري من الأساتذة الحوزويين، وفي الحقيقة كان (رحمه الله) صاروخاً في دراسته العلمية.

كانت الإهتمامات الفكرية والثقافية والفقهية لدى شهيدنا السعيد، تدفع به نحو الدراسة الحوزوية، لاسيَّما وأنه كان متأثِّراً بشخصية السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، وهذا ما سحبه سحباً من دائرة اشتغاله الأصلية وهي كلية الطب، إلى دائرة الإشتغال الفكري، بشقيها العقلي والفكري، وكذلك الإستقراء الذي تمكَّن منه وبجدارة، على الرغم من رغبة الكثيرين في إكماله الدراسة الأكاديمية، ومنهم أخوه الشيخ كاظم العبادي ومجموعة مهمة أساتذة الحوزة الكبار، الذين كانوا يرون فيه عيٍّنة مباركة يمكن أن تضيف إلى الحوزة الشيء الكثير من خلال تخصصه العلمي، إلا أنه أصرَّ على ترك الطب، ودراسة طب آخر ألا وهو العلوم الدينية.

ويضيف الشيخ كاظم العبادي/ أخ الشهيد: لأنه كان يمتلك ألمعية كبيرة وعقلاً متقداً مذهلاً، فطلبت منه أن يستمر بدراسته الأكاديمية، وأيضاً يُكمل الدراسة الحوزوية ولكن من دون الإلتحاق بالمدارس الحوزوية، لأسباب كثيرة، منها الأجواء المضطربة التي تعاني منها بعض المدارس الدينية، بالإضافة إلى طاقاته العلمية الكبيرة وتفوّقه في دراسته الأكاديمية، لذا طلبت منه أن لا يلتحق بمدارس الحوزة، حتى يصل إلى مرحلة (البحث الخارج)، لأنه كان قادراً على دراسة أكثر من خمسة دروس في آن واحد، وفي آخر أيام حياته، أخذ يهتم أكثر بالجانب العبادي والأخلاقي، وبدأت تأخذ مساحات أكبر من إهتماماته وإشتغالاته.

وهكذا تحقق للشهيد جاسم ما أراد وألتحق بحلقة للدرس الحوزوي، وكان وقتها بشكل سري كما يروي أصدقاؤه، أنهم درسوا في الحلقة كتاب المنطق، ومما أثار الجميع أنه (رحمه الله) قد أنهى كتاب المنطق بأربعة وعشرين يوماً فقط، بينما زملاؤه أنهوا الكتاب بمدة لا تقل عن التسعة أشهر، وهذا ما جعله مهيئاً لدراسة الحلقة الأولى للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) والحلقة الثانية أيضاً، ودرس بحث الكفاية عند الشيخ باقر الإيراوني، ولفرط ذكائه ونبوغه، استطاع أن يقوم بتدريس زملائه المادة ذاتها.

كان (رحمه الله) شديد التعلُّق بأئمته (عليهم السلام) وكان يواظب على زيارة الإمام الحسين في ليالي الجمعة ولاتفوته أي من الزيارات المخصوصة لإمام الحسين وأخيه أبو الفضل العباس (عليهما السلام)، ومما يروى في شجاعته أيضاً، أنه كان في زمن الهدّام وفي يوم العاشر من المحرَّم يحضر مراسيم زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان من عادة محبي الإمام وفي ظهيرة اليوم العاشر تتصاعد مشاعرهم ويأخذون باللطم على الصدور، وهذا كان يثير سخط أزلام النظام، ورغم هذا كان شهيدنا يحثُّ الناس ويشجِّعهم على مواصلة إتمام المراسيم وإحياء الشعائر، دون خوف من أزلام البعث.

مرحلة الجهاد والبطولة

أما الجانب الأهم من حياة شهيدنا البطل، الذي لاندري ما نُلبسه من ألقاب، كان الدور الجهادي المميز في شخصيته، فبعد سقوط الصنم ودخول المحتل الأهوج أرض العراق وإقترافه انتهاكات جمّة بحق هذا الشعب الأصيل، أنتفض البطل العبادي وآثر على نفسه إلا أن يكون من السبّاقين في ميادين الجهاد والبطولة، فكان وجوده في الميدان بعد التوكُّل على الله، مبعث عزيمة وإطمئنان لأخوته المجاهدين، فكان (رحمه الله) يبادر إلى إعطاء زملائه إحداثيات دقيقة، وكان ذلك من فرط ذكائه وحساباته الدقيقة لتحرّكات العدو، وكان بمجرَّد نظره إلى العدو يستمكنه بشدة من دون أن يعرف أحد سر هذه الموهبة.

وعن هذه المرحلة المهمة من حياة شهيدنا الغالي يتحدَّث المجاهد أبو حسن الكربلائي/ صديق الشهيد قائلاً: كان وجود الشيخ الشهيد معنا في العمليات مهم جداً، ولأسباب عدة، منها أنه كان يُعطي دعماً معنوياً كبيراً للمجاهدين من أبناء المقاومة، ويقوي عزيمتهم، بالإضافة إلى أنه كان يمتلك نظرة جديدة في التعامل مع تحرّكات العدو، حيث كنّا ندرس كل تفاصيل حركة العدو وخطواته لمعرفتها، لأن إمكانياتنا كانت متواضعة جداً، إذا ما قيست بالترسانة الكبيرة التي يمتلكها العدو، إلا أنه (رحمه الله) كان يختلف عنّا بكثير، حيث أنه كان يعرف تحرّكات العدو بمجرَّد النظر إليه، ولاندري السرّ في ذلك؟ فقد يكون يمتلك ذكاءً خارقاً أو نوع من أنواع الإلهام أو ما شابه، وكان دوراً كبيراً في نجاح العمليات بمحافظة كربلاء المقدّسة.

ويذكر أن ضابطاً سابقاً بالجيش العراقي كان ضمن الأبطال المجاهدين، وكان يعطي الإحداثيات الأساسيات للمجاهدين، وفقط ما يتعلّق بالهندسة العسكرية، حيث كانت الإمكانات العسكرية ضعيفة جداً، قياساً بترسانة العدو، مما حدا بالدكتور جاسم بحساب تلك الأساسيات البسيطة، وفعلاً استطاع إعادة برمجتها بعقله النيِّر والحصول على نتائج قتالية باهرة.

ويضيف: وفي إحدى المعارك مع العدو الأمريكي، كانت لنا مواجهة مباشرة مع رتل من أرتالهم، وكما هو معروف أن الأسلحة البدائية التي كنا نمتلكها لا تساوي شيئاً مقارنة مع الدبابات والآليات الأخرى، وعندما بدأت المواجهة لم يتمكن جنود الإحتلال من مواجهتنا راجلاً، فأخذوا بالإختباء خلف الدبابات، وهنا كان للدكتور موقفاً كبيراً، حيث نزل إلى داخل الميدان واستطاع أن يحسم المعركة بطريقة باهرة ولم نكن نتوقَّع ذلك منه أبداً، وكان ذلك حافزاً كبيراً للأخوة المجاهدين من شباب المقاومة، مما جعلهم يتقدّمون بإتجاه العدو، حتى أننا سمعنا أصوات صراخهم وعويلهم وبكاؤهم.

كان (رحمه الله) مستشاراً أميناً لقادة المقاومة آنذاك، فقد كان قادة المعارك في كربلاء تستشيره في كل صغيرة وكبيرة، وكان دائم الخلوة بنفسه، أما دعاءً أو عبادةً أو تركيزاً في العمليات العسكرية التي يحاول من خلالها تكبيد المحتل أفدح الخسائر، أو بمحاولة إبتكار سلاح جديد.

من عمليات الشهيد النوعية

ومن العمليات النوعية التي نفَّذها (رحمه الله) أنه وفي أحد أيام منازلة الشرف النجفية، وفي الساعة الثامنة ليلاً، شنَّ العدو هجوماً شرساً على النجف الأشرف، وكان المجاهدون متموضعين في ساحة التروية وكانت الإتصالات بينهم من خلال أجهزة اللاسلكي، وصل الخبر وما كان من الشهيد السعيد إلا أن نهض وطلب من رفاقه مجموعة من المتطوِّعين وكان (رحمه الله) توّاقاً للشهادة، والتوق أيضاً لعمل جهادي متميِّز، وكانت حركة العدو عبارة عن حركة دروع ومشاة وكانت عملية صعبة جداً، فكان (رحمه الله) يهيء لعمل جهادي يغيِّر من نتائج المعركة.

وهنا يتحدَّث المجاهد أبو علي/ صديق الشهيد قائلاً: لقد عايشت الشهيد السعيد الدكتور جاسم في ساحات المعارك، ورأيت كيف أنه كان يلعب دوراً كبيراً في ترتيب أوراق العمل العسكري، وكان يمتلك روحاً قيادية فذَّة قلَّ نظيرها، وكان رابط الجأش بشكل كبير جداً، وكأنه قد جرَّب ساحات المعارك طيلة أيام عمره، على الرغم من أن التجربة التي خاضها (رحمه الله) كانت هي التجربة القتالية له.

ويضيف المجاهد أبو حسن الكربلائي/ صديق الشهيد: في أحد الأيام جاءني أحد الأخوة وطلب مني أن أذهب معه، فقلت له: مالخبر؟ قال بأن الدكتور جاسم قد تقدَّم بإتجاه العدو وحده وتجاوز المنطقة التي نسيطر عليها، وعندما لحقنا به أنا ومجموعة من الأخوة للتغطية عليه ووصلنا إلى (خط المتقدِّم) أوقفنا الأخوة هناك وطلبوا منا الرجوع، لأن (قنّاصة) تقوم بقنص أي شخص يتجاوز هذه المنطقة.

يوم الشهادة الأغر

في يوم الرابع والعشرين من شهر كانون الأول من عام 2004، وتحديداً عن الساعة الرابعة والنصف، دوى في المدينة صوت إنفجار كبير جداً أطلقته مروحيات النجس الأمريكي، وكأنها رسائل رد على الرسائل التي أرسلها الشيخ الدكتور جاسم العبادي، ولكن هيهات بين الرسالتين، رسالة عنوانها العُهر الأمريكي ورسائل باركها الرحمن، لتحلِّق بمُرسلها في عليين ليُصبح نجماً للبطولة ينير درب المجاهدين، كما أنار دروبهم بعلمه وورعه وتقواه وبطولته، ففعلاً قضى الدكتور المجاهد الشيخ جاسم العبادي، وكان مصداقاً لقوله تعالى: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)، فطوبى للمجاهدين.



لمشاهدة التسجيل الكامل لحلقة رجال صدقوا للشهيد المجاهد د. جاسم العبادي انقر على الرابط التالي

http://ahlualhaqmedia.com/video_watch_82.html


 

قد يعجبك ايضا
يمكنكم تحميل تطبيق عصائب اهل الحق ومتابعة الاخبار اولاً بأول

التحميل الآن
التحميل لاحقاَ
%d مدونون معجبون بهذه: