الشهيد السعيد حسين فاضل الشميلاوي ومقاومة المحتل الغاصب

 

لاشكَّ إن مشروع المقاومة في العراق، هو المنعطف الأبرز الذي استطاع أن يغيِّر المسار الذي تبنته الولايات المتحدة الامريكية في احتلال العراق، التي شاهدت بأن ما قام به أبطال المقاومة،  قد تجاوز الأفق الأمريكي المرسوم للمرحلة، وبالتالي أصبح لزاماً عليها تغيير قواعد اللعبة والبحث عن آليات جديدة. فالحديث عن هذا المشروع الكبير، حديث طويل ومتشعب ولا يمكن اختزاله بهذه العجالة، فهو يمتد الى اعماق المشروع الكبير الذي نهض به السيد الولي الشهيد الصدر (طاب ثراه) من خلال برنامجه الإصلاحي المجتمعي، فقد كان يستهدف استنهاض الناس ضد المشروع الاستلابي الأمريكي والوقوف بوجهه، ولعل آثار سماحته الفكرية خير دليل على ذلك.

 

ولأنَّهم الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى ورفعة، ولأنَّهم كانوا التوّاقين إلى أن يكونوا مشعلاً للخلاص والتحرُّر، ولأنَّهم أدركوا بأن الصدر العظيم، هو الشاخص الأبرز الذي لابدَّ أن يتوجَّهوا له لعبور طريق الحرية الموحش، مستلهمين من بياض كفنه وشيبته الطُهر، بياض الحق ونصاعته، إنهم أبطال المقاومة في عصائب أهل الحق، الذين تساقطوا مثل الدموع فوق وجنات الوطن .

 

 

 

الشهيد إنسان أرتفعت روحه إلى مستوى الشهادة وتحرَّرت من ذنوب الشهوات، فأضحت تضحياته شيئاً جديداً لا يفهمه إلا العلماء والفلاسفة وعقلاء الزمان، فما عسانا نقول بحق بطولات وإنجازات الشهداء وما قدَّموه للإسلام عامة وللمذهب خاصة؟ فهو أمرٌ لا تسعه أي كلمات، بل لا يحويه أي مقال أو مقال، ولكن كما يقال: مالايدرك كلُّه، لايترك جلُّه.

الولادة والنشأة 

ولد الشهيد السعيد حسين الشميلاوي المعروف بـ(حسين أبو فاطمة) بمدينة بغداد في أوائل ثمانينيات القرن المنصرم، وعاش في أحضان أسرة معروفة بحبها لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) ومعروفة أيضاً بمواظبتها على مناسك الدين الحنيف وإقامة الشعائر الحسينية، على الرغم من كل الظروف الصعبة التي كان يفرضها النظام المباد على أتباع آل البيت (عليهم السلام)، وكان لشهيدنا السعيد دور بارز في أسرته، حيث كان مثالاً للكرم والشجاعة والأخلاق الحسنة، وكان محبّاً لكل أفراد أسرته وأقربائه وأبناء منطقته.

وعن طفولة الشهيد وبعض محطات حياته يحدِّثنا والده قائلاً: كان حسين منذ طفولته متعلِّقاً بزيارة مراقد أهل البيت (عليهم السلام) فضلاً عن إلتزامه بالتكاليف الشرعية، وعندما ظهر السيد الشهيد محمد الصدر (قدس سره) بدأ حسين يتغيَّر تغيّراً جذرياً في كل سلوكياته نحو الأفضل، وأخذ يواظب على حضور صلاة الجمعة في الكوفة خلف السيد الشهيد أو في بغداد، وأخذ يتعمَّق بالدين أكثر فأكثر، حتى تكوَّنت لديه ثقافة دينية جيدة، أي أن تربيته بالإجمال كانت تربية دينية منذ نعومة أظفاره وحتى إستشهاده، إلا أن إنفتاح مداركه وثقافته بدأ مع نهضة السيد الشهيد الصدر.

وفي نفس السياق يقول أحد أصدقائه: الشهيد (حسين أبو فاطمة) أحد أصدقائنا المقرَّبين جداً، بل لعله مصداق للقول المأثور(رب أخ لم تلده لك أمك)، وكان يمتلك سلوكاً محبَّباً للجميع، لأنه كان إجتماعياً مع الناس، وكان الجميع يعتز به، سواء نحن الأصدقاء أو بقية أبناء المنطقة.

فيما قال عم الشهيد عن طفولته وتربيته: كان حسين يختلف عن جميع أقرانه منذ طفولته وحتى شبابه، وكانت نشأته نشأة دينية رائعة، وكان يمتلك عقلاً كبيراً يفوق عمره بكثير، لأن تصرُّفاته لا توحي على أنها تصرُّفات طفل في عمره، ولاسيَّما في أوائل شبابه عندما تأثَّر بالسيد الشهيد الصدر (قدس سره) وبدأ يواظب على حضور صلاة الجمعة ويندك بالمشروع الصدري الإصلاحي، بدأت تأثيرات ذلك واضحة عليه، وكان مختلفاً عن جميع من هم في عمره وحتى عن أخوانه، ولا أغالي إن قلت بأنه قد علَّم والده على الصلاة، فلم يكن والده يصلي، إلا أنه استطاع أن يسحب والده إلى ساحة الهداية والإيمان، وكذلك تمكَّن من التأثير على بعض أخوته وأصدقائه، وكان لا يقبل بالباطل مهما كان شكله، وكان يسعى دائماً لخير الناس ومساعدتهم.

كما قال (أبو يقين) أخو الشهيد: كان حسين منذ طفولته ملتزماً ديناً، وفي أيام النظام السابق كان أعضاء حزب البعث المجرم يأتوت إلى بيتنا ويقولون بأنهم قد شاهدوا حسين وهو يشارك في بعض المجالس الحسينية، وقد طالبونا بمنعه، وفي أحد الأيام تدخَّل أحد جيراننا من أعضاء حزب البعض لمنعهم من إعتقاله، إلا أنهم في مرّات أخرى قاموا بإعتقاله وأطلقوا سراحه بعد فترة. وعندما بدأت صلاة الجمعة أصبح حسين من المواظبين عليها ولم يترك جمعة واحدة حتى آخر حياته.

في رحاب الإصلاح الصدري الكبير

بعد أن بلغ الشهيد السعيد حسين مرحلة الشباب كان له دور واضح بين أصدقائه، لأنه كان مصدر الدفء بينهم ومحور لقائهم، وكان طابع التديُّن صفة أمتاز بها شهيدنا السعيد عن باقي أقرانه، ما جعله يعمل على نشر التديُّن بينهم، حتى بزوغ فجر النهضة الإصلاحية للمولى المقدَّس السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) وإقامة صلاة الجمعة في مسجد الكوفة المعظَّم والتي أنخرط فيها شهيدنا السعيد، لأنه كان يؤمن بأنها هي الأًصلح للخلاص من الظلم والجور والعبودية، التي عَمِلَ النظام المباد على فرضها فوق رقاب الشعب العراقي. واستمر شهيدنا السعيد على حضور صلاة الجمعة المقامة في مدينة الصدر إلى أن أقدم النظام البعثي المجرم على إغتيال المولى المقدَّس ومحاولته منع الشباب المؤمن من إقامة صلاة الجمعة في مدينة الصدر.

بداية رحلة المقاومة

بعد سقوط النظام المباد على يد قوات الإحتلال الأمريكي، عَمِلَ الشهيد حسين مع رفاقه على مقاومة المحتل الغاصب، لأن الطريق الذي رسمه المولى المقدَّس لأبنائه لايقبل بالذل والهوان، فكانت لشهيدنا السعيد مواقفه البطولية التي لا تعد ولاتحصى في مقاتلة القوات الغاصبة لأرضنا الحبيبة، حتى أنه كان يلاحق الأرتال الأمركية من منطقة إلى أخرى، ولم يزد الإنخراط في صفوق المقاومة لشهيدنا الحبيب إلا فخراً وعزاً وشجاعة، لأنه طريق آل البيت (عليهم السلام). وعن إنخراط الشهيد في صفوف المقاومة يقول والده: كان هدف حسين منذ الأيام الأولى للإحتلال مقاومة القوات الغازية، وفي أحد الأيام جلب معه أحد الجرحى ممن أصيبوا بجروح بليغة على يد قوات الإحتلال، حيث قامت إحدى الطائرات بضرب قنابل (العنقودي) وأصابته إصابات بالغة جداً، إلا أننا في تلك الفترة لم نعلم بإنضمامه لصفوف المقاومة إطلاقاً، وكان مصرّاً على مقاومة الإحتلال، حتى أنني ذات يوم قلت له: بُني إنك مازلت صغيراً ومازلت طفلتك في بداية عمرها، فكان جوابه بأنه لايشعر بطعم العز والكرامة مع وجود الإحتلال، وكان مصرّاً على الشهادة.

وأيضاً يقول صديق الشهيد: على الرغم من علمنا بأخلاق الشهيد حسين وإلتزامه الديني وبغضه للمحتل، إلا أننا لا نعلم بإنتمائه إلى صفوف المقاومة، وكان يعمل بسرية تامة، إلى درجة أنني رأيته قبل إستشهاده بنصف ساعة، وقد أخذت بمعاتبته وملاطفته بشكل جميل على سر غيابه عنا، وأخذ يعتذر لي بعدة أعذار، وبعد دقائق قالوا بأن حسينا قد أُستشهد، وقد تفاجئت بالخبر كثيراً، لأنني لم أتوقع ذلك أبداً.

كما يقول عم الشهيد عن ذات الموضوع: لم أسمع منه شخصياً بإنتمائه إلى المقاومة، لأنه كان شديد الكتمان وشديد الحذر، إلا أنه كان يُستفز بمجرَّد ذكر قوات الإحتلال أمامه، ومع هذا لم يعرف أحد بنشاطاته مع المقاومة ضد الإحتلال. وعندما عرفنا بأنه مصمم على الإنتماء للمقاومة ذهبت إليه وناقشته في هذا الموضوع، إلا كان مصمماً على مواصلة طريق المقاومة، ولابد من إكماله حتى النهاية، أما بالنصر وخروج الإحتلال من العراق أو بالشهادة.

طريق الشهادة

كان الشهيد السعيد حسين يؤمن بأن طريق الحرية والخلاص يحتاج لتقديم الكثير من التضحيات والتي لابد أن تقدم من أجل خلاص البلد، وهنا يحدّثا أخو الشهيد قائلاً: كان حسين دائماً ما يغبط الشهداء ويترحَّم عليهم، لأنه قدَّموا أرواحهم من أجل خلاص الناس وتحرير البلد من الغزاة، حتى كان يتمنى بأن تكون شهادته في سبيل الله وأن تكون مأساوية، وعندما سألته عن سبب ذلك، قال: إن الشهادة درجات، وكلَّما كانت مؤلمة أكثر، كانت درجتها أكبر عند الله، وضرب مثلاً عن الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد تحقق له ما أراد، حيث أنه أستشهد مع مجموعة من رفاقه بعد أن قصفتهم إحدى الطائرات الأمريكية ومزَّقت أجسادهم.

وكانت لشهيدنا السعيد مواقف نوعية في ضرب المواقع الأمريكية والأرتال العسكرية للمحتل الغاصب، حتى جاء يوم الثالث من حزيران من عام 2007، وهو اليوم الموعود لشهيدنا السعيد، عندما خطَّط ونفذَّ عملية مهمة هي الأكبر من نوعها، حينما دك السفارة الأمريكية بستة صواريخ (كاتيوشا) مع مجموعة من رفاقه، إلا أن طائرات الإحتلال كشفت مكان إطلاق الصواريخ وقصفته بكل وحشية، وأستشهد (حسين أبو فاطمة) مع كل أخوته من رجال المقاومة الحقَّة، ليكونوا مصداقاً لقوله تعالى (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً).

ولأنها الأم، صاحبة القلب الرحيم والروح الشفافة والملاذ الآمن، تقول والدة الشهيد: من أكثر الأمور التي ستبقى جرحاً كبيراً في قلبي، هو أنني لم أره بعد إستشهاده، وقد طلبت من الجميع ذلك دون جدوى. وعندما سألنا والدة الشهيد، ماذا تقولين له الآن؟ أجابت ودموعها تنهمر: ماذا أقول له؟ هل أشكو له حال أبنته أم حال زوجته؟ ماذا أقول له وهو يسكن روحي في كل لحظة، لقد أصبحت لا أعرف أي شيء غير ذكراه وصورته، لا أقول له شيئاً، فقط أريد منه أن يأخذني معه، فلا معنى لحياتي دونه، إلا أن ما يهوِّن مصيبتي هو الإمام الحسين وأهل بيته وفاجعة الطف الأليمة، و قد سار على نفس الدرب، وهذا ما يجعلني رغم مرارة الفقد فخورة به بين الناس، وسأزرع هذا في طفلته التي تركها، لأنه ذهب شجاعاً ومقاوماً، ليس في منطقتنا هذه وحسب، بل مناطق كثيرة من بغداد، كان يتابع قوات الإحتلال ويستهدفها. وعندما سألناها ماذا تقولين لو أن الشهيد حسين موجود الآن وطلب منها أن تشاركه المقاومة وتحمل البندقية، فأجابت: أنا مستعدة لكل شيء، فقد شاركت معه في السابق بحمل (القاذفة) وكنت أحملها له تحت عباءتي لكي أمررها من قوات الإحتلال وأعبر بها إلى منطقة أخرى. وهكذا رحل شهيدنا الغالي (حسين أبو فاطمة) ولم يوقف إستشهاده عائلته ورفاقه عن السير في طريق أهل البيت (عليهم السلام) والإستمرار في مقاومة المحتل الغاصب حتى إخراج آخر جندي محتل من أرض العراق، بل زادهم إصراراً وعزيمة وفخراً، فسلام عليه يوم ولد ويوم أستشهد ويوم يبعث حياً.   

 

قد يعجبك ايضا
يمكنكم تحميل تطبيق عصائب اهل الحق ومتابعة الاخبار اولاً بأول

التحميل الآن
التحميل لاحقاَ
%d مدونون معجبون بهذه: