الشهيد السعيد غيث محمد هادي البكري نور في سماء اهل الحق

 


لاشكَّ إن مشروع المقاومة في العراق، هو المنعطف الأبرز الذي استطاع أن يغيِّر المسار الذي تبنته الولايات المتحدة الامريكية في احتلال العراق، التي شاهدت بأن ما قام به أبطال المقاومة،  قد تجاوز الأفق الأمريكي المرسوم للمرحلة، وبالتالي أصبح لزاماً عليها تغيير قواعد اللعبة والبحث عن آليات جديدة. فالحديث عن هذا المشروع الكبير، حديث طويل ومتشعب ولا يمكن اختزاله بهذه العجالة، فهو يمتد الى اعماق المشروع الكبير الذي نهض به السيد الولي الشهيد الصدر (طاب ثراه) من خلال برنامجه الإصلاحي المجتمعي، فقد كان يستهدف استنهاض الناس ضد المشروع الاستلابي الأمريكي والوقوف بوجهه، ولعل آثار سماحته الفكرية خير دليل على ذلك. ولأنَّهم الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى ورفعة، ولأنَّهم كانوا التوّاقين إلى أن يكونوا مشعلاً للخلاص والتحرُّر، ولأنَّهم أدركوا بأن الصدر العظيم، هو الشاخص الأبرز الذي لابدَّ أن يتوجَّهوا له لعبور طريق الحرية الموحش، مستلهمين من بياض كفنه وشيبته الطُهر، بياض الحق ونصاعته، إنهم أبطال المقاومة في عصائب أهل الحق، الذين تساقطوا مثل الدموع فوق وجنات الوطن  .

  

شباب تخطُّ أناملهم الجمال، وتخيط للحسين رايات مجدٍ يتنكَّبها السائرون نحو كربلاء، وتطرِّز للعراق حلماً طالما أنتظره، حلم موعد هو مع الحسين، شباب أفاقوا وهم يرزحون تحت نيران الهدّام، جل همهم لقمة العيش.. أخوة لهم يتساقط منهم الواحد تلو الآخر، وقد بادرهم الخريف وهم لم يصلوا الربيع بعد، فأفاقوا والصوت يعلو (كلا.. كلا.. للطغيان) فحضروا الجمعة في الكوفة وتعلَّموا الدرس باكراً ليصبحوا رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

 

نعم، شباب هم بعمر.. شاكسوا الورد ليخطفوا رحيقه وتسابقوا مع الشمس ليكونوا الأنور والأبهى، وكذلك تسابقوا مع الظروف الصعبة ليخطفوا لقمة العيش لهم وللآخرين، وهكذا تمضي أرجلهم نحو المجد. وبعد إنجلاء غمامة الهدَّام، أبتلى البلد الجريح بغمامةٍ هي أقصى وأمر.. مدٌّ أشبه بأسراب الجراد ليأكل الحرث والنسل، فأمتعض الأصلاء وتناخوا، أحدهم يحث الآخر ليصونوا عراق هو الأقرب للمجد، فتجمَّعوا ليكونوا لبنة الثائرين على المد الجديد، فهاهم أبناء الصدر المقدَّس الذين تغذَّوا من كلماته صغاراً يطبِّقوها بعد أن وعوها. بعد إجتياح العراق من قبل فلول الإحتلال الظلامي.. بزغ نجم آخر للبطولة.. بطل عراقي بغدادي، أخذ صفته من أسم مدينته الحرية، فكان حرّاً أبيّاً لضيم. كان من المتميزين الذين تعلَّموا القرآن الكريم والتجويد وكذلك الآذان، وكان يؤذِّن أحياناً في مسجد الحرية ويهيئ للمواكب الحسينية راياتها ولافتاتها ويخطُّ كلماتها من ذهب. 

 

السيرة والنشأة

 

غيث محمد هادي البكري، ذلك الطفل الوديع الهادئ الخجول، الذي رأت عيناه النور عام 1987، وفي مدينة الحرية تحديداً، تلك المدينة المتاخمة لضريح الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)، فمنذ تعلَّم المشي عرفت رجليه الصغيرتين المشي نحو ضريح الكاظمين، متضرِّعاً، مبتهلاً، مستمداً العزم منهما.

 

لم يوفق غيث بدراسته الأكاديمية، لكن أبدع وهو الشاب في مهنته التي هي أقرب للجمال، فكان طرَّازاً يعمل مع أخيه الكبير في مدينته الصغيرة، فقد تعلَّمت أنامله أن تخطَّ منذ نعومته (ياحسين.. يالثارات الحسين.. محرَّم شهر إنتصار الدم على السيف) هكذا خطَّت أنامله. وعن طفولته وسيرته وسلوكه يحدِّثنا أخيه أبو فاطمة ويقول: كان ملتزماً دينياً منذ طفولته، حيث كان يذهب إلى مسجد عبد الهادي الجلبي القريب من دارنا ويشترك في دورات تعليم حفظ وتلاوة القرآن وبعض العلوم الدينية تعلُّم الأذان، وكان منذ طفولته ميّالاً للسيد الشهيد محمد الصدر (قدس سره)، وقد حضر صلاة الجمعة في الكوفة وهو في السابعة من عمره، فقد اصطحبه أخي الأكبر، وكان إلتزامه الديني سابقاً لعمره بكثير، حيث أنه كان يسأل عن بعض الأمور الدينية التي تفوق إدراكه كطفل آنذاك.

 

وأيضاً يتحدَّث في هذا السياق صديق الشهيد المجاهد أبو علي قائلاً: كان الشهيد غيث هادئاً بطبعه، قوياً بإيمانه، متواضعاً للآخرين، وكان شاباً عملياً جاداً، وكثيراً ما كنت أتردَّد عنده في (محل التطريز) وكانت أغلب أحاديثه تتمحوَّر بشأن الأمور الدينية، وكثيراً ما كان يتحدَّث عن السيد الشهيد الصدر وتوجيهاته للشباب. ويقول شقيقه أبو غيث: كان الشهيد غيث محبوباً من قبل الجميع ويسعى لخدمتهم، وجميع أبناء المنطقة يتألمون الآن لفقده، لأنهم كانوا يستشعرون مايقوم به لأجلهم، حتى أنه في الأيام الأولى لدخول قوات الإحتلال الأمريكي، كان يخرج بمعية رفاقه ولايعود إلى البيت إلا ليلاً، حيث يقومون بتفقُّد العوائل المتعفَّفة والمحتاجة وتدبير إحتياجاتها وتوزيع الرواتب والمعونات البسيطة لها.

 

كان غيث بشهادة كل من عرفه، هادئ الطبع، خسن الخلق، ومتواضعاً للجميع، جل همَّه العمل والعبادة وتعلُّم تجويد القرآن الكريم، وكان للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) الدور الأبرز في صقل شخصيته، فكان يبادر أقرانه لتعلُّم تعاليم الله من خلال فتاوى المولى المقدَّس. وعن عمل الشهيد غيث يقول أخوه أبو فاطمة: كان الشهيد غيث يعمل مطرِّزاً معي وكان ويعشق تطريز الرايات الحسينية أو التي تتعلَّق بأهل البيت (عليهم السلام) وكان يرفض العمل في غيرها، وكان يقول لي: إذا كنت تريدني أن أُبدع في التطريز، فدعني أطرِّز ما يتعلَّق بآل البيت، لأني أجد روحية خاصة في ذلك. ويضيف المجاهد أبو علي صديق الشهيد: كان الشهيد غيث دائماً ما يحدِّث أولادي الصغار عن أهمية الإلتزام الديني وضرورة التمسك بالتعاليم التربوية للإسلام والتي أحياها السيد الشهيد الصدر، كما أنه كان يحدِّثهم عن الشهادة وجمالها في الدار الآخرة، حتى استطاع أن يجذب أولادي لأحاديثه والتأثُّر بها.الشهيد ومقته للتواجد الأمريكي منذ الوهلة الأولى وفي بداية الإحتلال الأمريكي للبلاد، شارك الشهيد غيث في اللجان الشعبية التي شُكِّلت لتنظيم بعض الأمور الحياتية بعد غياب مؤسسات الدولة، كحماية الدوائر الخدمية وحملات التنظيف، وبعدها أنضم إلى صفوف جيش الإمام المهدي (عليه السلام)، وبعدها لا نعرف كثيراً عن تفاصيل عمله العسكري. بعد سقوط الصنم، تنفَّست الناس الصعداء، وقلنا هاهو الحلم يتحقَّق أخيراً، إلا أن غيث كانت له رؤية أخرى وهو طالب في المدرسة، وكان الألم يعتصر فؤاده وهو يراقب قوات الإحتلال تجوب شوارع مدينة الحرية التي يسكنها دون رادع ولاحسيب ولارقيب، إلا العبرات التي تسكن الصدور وتتكسَّر فيها، فكان لابد لليث من غضبة، وهنا قرَّر غيث أن ينضم إلى اللجان الشعبية.

 

بداية الرحلة الجهادية المباركة

وهنا يقول أبو غيث، شقيق الشهيد: بعد الإحتلال الأمريكي، تغيَّرت أوضاع الشهيد غيث تغيِّراً جذرياً، فلم يعد ذاك الشاب الغض الذي مازال في دراسته، بل تحوِّل إلى شخص آخر، وكأنه شيخ كبير يحمل كل هموم الدنيا فوق رأسه، بسبب إمتعاضه من الوجود الأمريكي وعبثه في البلاد وفي مصائر الناس، وعندما كنت أستغرب منه ذلك لصغر عمره، كان يجيبني بأن الشجاعة مكتسبة ولاتأتي بالفطرة كما يقول السيد الشهيد الصدر، وكما أن السيد الشهيد وقف بوجه أعتى الدكتاتوريات، فنحن أيضاً لابد أن لانخشى من قوات الإحتلال. ولأنني كنت الأقرب له بسبب التقارب العمري، كان يخبرني ببعض مشاركاته في العمليات التي تستهدف قوات الإحتلال، وفي إنتفاضة النجف أراد الذهاب إلى النجف وقد منعناه خوفاً على والدتنا التي تحبُّه كثيراً ومتعلقة به، وقد حدَّثت بيني وبينه مشادّة كلامية، لأنني لم أسمح له بالذهاب إلى النجف بسبب صغر سنه، وقال لي: لماذا تمنعني من الجهاد في النجف؟، فأخبرته بأن الجهاد لايقتصر على مكان دون غيره، كما أنك مازلت صغيراً على الجهاد. 

 

وبما أن الشهيد غيث، كان قد حضر صلاة واحدة للجمعة في مسجد الكوفة وصلى خلف المولى المقدَّس (قدس سره) وحضر صلوات الجمعة في الكاظمية، فقد آن له أن يتغيَّر ويتغيَّر سريعاً، فسرعان ماتحوَّل الشاب الذي لم يتجاوز السادسة عشر، إلى رجل داعى المسؤولية إليه فتحمَّلها، فكان الموعد الكاظمية المقدَّسة ليسجِّل إسمه ضمن قوائم جيش الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه).. كان يبكي عندما يرى المحتل (ينهضم) وهو يرى أقدام الغزاة تُدنِّس أرض الأنبياء. وفي أحداث متسارعة كان شهيدنا البطل يتحرَّق فيها شوقاً لملاقاة ربه، وفي أحداث النجف وأثناء المعركة التي دارت هناك، كان يُمنِّي نفسه للمشاركة فيها لنصرة أخوته من جيش الإمام المهدي، إلا أن نصيحة الأهل منعته من ذلك، بدعوى أن المحتل يدنِّس سائر أرض العراق، فأينما يجاهد فثمَّة هناك محتل.

 

كان الشهيد غيث مباركاً أينما حلّ، كما يؤكِّد ذلك أصدقائه وزملائه في الجهاد، فقد بدأ عملياته في منطقته مدينة الحرية.. كان رحمه الله، شديد الذكاء ويتعلَّم فنون القتال بسرعة وحنكة، حيث أنه قائداً لمجموعته وكان يوزِّع عليهم المهام بين المساندة والمراقبة والتصوير، وكان ينفِّذ العمليات بنفسه وكانت ضرباته جميعها موفَّقة وتصيب هدفها وتؤثِّر فيه.

 

الخطوات الأولى في طريق أهل الحق

 

يقول أبو علي أحد أصدقاء الشهيد: لم يكن الشهيد غيث يفصح عن تفاصيل العمليات العسكرية التي يشارك فيها، على الرغم من أواصر العلاقة القوية التي تربطني به، وكان يتردَّد عليَّ كثيراً عندما تكون لديه عمليات، وكان يخبر والدته بأنه في بيتي حتى تطمئن.

 

وبعد الضربات الموجعة التي وجهها غيث ورفاقه للمحتل، بدأت إنطلاقتهم الجديدة، فسارع الشهيد لشراء قطعة من القماش أخذها لأخيه الأكبر، كونه يمتلك قابلية في الخط العربي ولخبرته العالية في التطريز، وبعد إستفسار أخيه عن العبارة التي يُراد كتابتها وتطريزها، فأجابه الشهيد غيث: أكتب (فتح من الله ونصر قريب.. عصائب أهل الحق). ويضيف أبو غيث أخو الشهيد تفاصيل أكثر عن هذه الحادثة فيقول: في أحد الأيام جاءني الشهيد غيث حاملاً معه قطعة من القماش، وطلب مني أن أكتب عليها بعض الأشياء بشرط أن يكون الأمر حصرياً بيني وبينه، وعندما سألته ماذا تريد أن أكتب عليها؟ قال: أكتب فتح من الله ونصر قريب، عصائب أهل الحق من العراق، فأستغربت الاسم الذي أسمعه أول مرة، فرفض أن يجيبني في حينها، ولكن بعد فترة تبيَّن لنا الأمر، حيث كان منتمياً للمقاومة الإسلامية. ومن الجدير ذكره هنا، هو أنه بعد إنضمامه إلى أهل الحق، توسَّعت مداركه كثيراً وتفتَّحت آفاقه المعرفية، حيث أصبح متفوِّقاً في مختلف المجالات، وأصبحنا نسأله عن بعض الأمور التي كان لا يعرف عنها شيئاً. إذاً من هنا كانت الإنطلاقة الحقيقة للجهاد، الشهيد السعيد غيث محمد هادي البكري، وبإنضمامه إلى المجاميع الخاصة (عصائب أهل الحق) إنفتحت له الإمكانيات من خلال تهيئة الجهد العسكري من سلاح وعتاد ودورات تدريبية اجتازها الشهيد بنجاح باهر، وقد أصبح متمرِّساً على العمل العسكري، حيث توجه هواه وعقله وقلبه للعمل المقاوِم الذي أتقنه تماماً، فترأس رغم صغر سنه مجموعة من المجاهدين وكان أستاذاً لهم ومعلِّماً وأخاً ومرشداً. وعن مدى خبرته في العمل العسكري على الرغمن صغر سنه يقول المجاهد أبو عبد الله، صديق الشهيد: كان الشهيد غيث أخاً وصديقاً وأستاذاً في العمل لنا، وكان على الرغم من رهافته وشفافيته في الحياة الاجتماعية بين الناس، إلا أنه صارماً وجاداً في العمل العسكري ويمتلك شجاعة كبيرة جداً قد يصعب توافرها عند غيره، وفي إحدى العمليات ضد المحتل، استطاع المحتل أن يضعنا في كمين، وقد أضطربت أوضاعنا وأصابنا شيء من الحيرة، إلا أن الشهيد غيث كان رابط الجأش ومتماسكاً ومطمئناً، وتمكَّن من أن ينسحب من الكمين ويسحب جميع المعتدات التي كانت معه. وأيضاً من الأمور التي كان يتميز بها، هو أنه كان يحمّل هموماً كبيرة أكبر من عمره بكثير. بعد التمرِّس في العمل العسكري وإنضمام الشهيد إلى عصائب أهل الحق وتدرّبه على مختلف الأسلحة، جاء يوما وإذا بنوع جديد من العبوات تعمل على (الريمونت كونترول) جهاز التحكُّم عن بعد، وكانت حديثة العهد في تداولها بالعمليات العسكرية، وكان قد حضر أحد المجاهدين لتعليم الشهيد غيث ورفاقه عليها، وكان رحمه الله يتابع المعلّم بحرص شديد وإنتباه عالٍ، وذات مرة أحتاج المجاهدون إلى عبوة أخرى، فأنبرى غيث وقال أعطوني العدَّة أنا أصنعها لكم، وفعلاً صنعها في غاية الإتقان. وهكذا صار شهيدنا البطل أنموذجاً حياً للمقاتل الواعي والرجل المقدام.. هذا الهادئ الوديع في الحياة، تجده أسداً على المحتل، كان رحمه الله توَّاقاً للشهادة، يطلبها من الله عزَّ وجل، فكان يوصي بأني إن متُّ في فراشي فأدفنوني في مقبرة الأنصار، وإن متُّ وسلاحي في يدي فأدفنوني في مقبرة الشهداء، وكان رحمه الله عندما يحلُّ العيد ويعايده الأحبَّة، يقول لهم تمنوا لي الشهادة في العيد.

 

هاجس الشهادة الذي لا ينتهي

 

كان الشهيد غيث لايخشى البوح من أن الشهادة هي الحلم الوحيد الذي يرنو لتحقيقه، وكثيراً ما كان يردد الدعاء بطلبها، وهنا يقول أبو غيث أخو الشهيد: كانت الشهادة تمثِّل للشهيد غيث هاجساً كبيراً وأمنية يتمنى بلوغها، وكثيراً ما كان يتحدَّث عنها وعن طلبها، حتى أنه في أحد الأعياد وعندما صافحته في صباح أحد الأعياد وقلت له: أتمنى لك الزواج، قال لي: بل أتمنى الشهادة، فكان موضوع الشهادة شغله الشاغل وحلمه الأكبر، وكان كثيراً ما يوصي بالإهتمام بالوالدة وضرورة رعايتها. وكان ما تمناه غيث قد أقترب، موعد يحقق له أملاً لم يبارحه البتة، ويبدو أن الموعد الذي يجمعه مع المولى المقدَّس في عليين قد حان. 

 

يوم الشهادة.. تحقيق الحلم

 

التاسع عشر من آذار كان يوماً ينذر بالشر، فقد تجمَّعت آليات الإحتلال وملأت شوارع مدينة الحرية، وبدأ المشهد كئيباً قاتماً، إلا أن غيث في ذلك اليوم كان على غير عادته، ضاحكاً مستبشراً، حضر إلى محل التطريز وسرعان ماعاد، أبتسم بوجه أخوته قائلاً: هل لديكم حاجة، فأنا غداً عند الحسين (عليه السلام)؟ إلا أن قوات الإحتلال كثَّفت من تحرّكاتها داخل المنطقة. وعن قصة إستشهاد يقول أخوه أبو غيث: في يوم إستشهاده، كان غيث مستبشراً فرحاً على غير عادته، حيث أنه في طبعه قليل الكلام، لكنه في ذلك اليوم كان مختلفاً تماماً، فقد جاء إلى محل التطريز وكان منا مجموعة من الأصدقاء، فأخذ يمازحهم كثيراً وهم في غاية الدهشة لما يفعل. ثم تركنا وخرج وقال لنا: سأكون غداً عند الحسين (عليه السلام) فهل تحتاجون شيئاً؟ وفي البيت رفض أن يتناول العشاء وطلب مني أن أصحبه إلى المكان الذي يوجد فيه السلاح، فأخرج الأسلحة وأعطاني مسدسا وذهب وقال لي سأبقى اليوم خارج البيت، وكانت القوات الأمريكية قد طوَّقت المكان بالكامل. إجتمعت العائلة قرب التلفاز فسمعت إطلاق نار، فبادر الأخ الأكبر بالإتصال بالشهيد فلم يردَّ عليه، ساعة وإذا بالتلفاز يذيع خبر إستشهاد مجموعة من شباب المقاومة، حاول الإخوة الإتصال بأخيهم دون جدوى، سألت الأم الوالهة عن أبنها، فأجابوها أنه سيبيت في بيت أحد الأصدقاء، إلا أن القلق مازال يساور الأخوة، وتمر الدقائق والساعات دون خبر عن غيث. 

 

بشرى الشهادة ومرارة الفقد

 

الساعة الخامسة صباحاً من فجر يوم العشرين من آذار، جاء الخبر، بل جاءت البشرى، فقد ألتقى غيث بأحبابه وحضر موعده الذي طال إنتظاره، وما أسرع اللقاء بحبيبه بالمولى المقدَّس الصدر، فصار له ما أراد وأرتفعت روحه الطاهرة إلى بارئها، والجسد دفن هناك حيث أوصى في مقبرة الشهداء وتحقق الوعد الحق.

 

الشهادة وسام الشهيد وفخر الأهل والأحبة تبقى الشهادة، ذلك الوسام الأبهى الذي يتشرَّف به الشهيد ليكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مما يجعل الأهل والأحبة يفخرون غاية الفخر، حيث يقول أبو غيث أخو الشهيد: لعل الفخر لايستطيع أن يترجم ما استشعره بشهادة غيث، لأنه أصبح مناراً لنا، بل حتى في الحي الذي نسكنه أصبح جيراننا يفتخرون بأنهم جيران بيت الشهيد غيث، فهو قد رفع رؤوسنا عالياً من خلال تضحياته الكبيرة.

 

ويضيف المجاهد أبو علي صديق الشهيد: 

 

لاشك أن شهادة غيث تشعرني بالعز والفخر، إلا أنه غيابه قد ترك أثراً كبيراً في نفسي وفي نفوس جميع أفراد عائلتي، لأنه وكما أسلفت كان رحمه الله قريباً علينا وكثيراً ما كان يعلِّم أولادي بعض الأمور ويوجههم ببعض الأمور التربوية.  وهكذا رحل الشهيد، تاركاً ورائه تاريخاً مليئاً بالنصر والفخر والعزة والكرامة، ورجال عاهدوا الله أن يكملوا المسير من أجل تحرير الأرض من دنس الغزاة، وقد أهل الحق ما كان عليهم وأوفوا بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم، بعد أن جرَّعوا المحتل البغيض أشدّ أنواع المرارة والهزائم من خلال الصفعات المتكثِّرة، والتي ما انفكت عنه حتى آخر شبر عراقي.

 

قد يعجبك ايضا
يمكنكم تحميل تطبيق عصائب اهل الحق ومتابعة الاخبار اولاً بأول

التحميل الآن
التحميل لاحقاَ
%d مدونون معجبون بهذه: