الشهيد السعيد قيس إبراهيم أول مـــن تصــدى لزمر البعث والتكفير.. و(ياحســيـن) آخــــر ما قالهــــا وهــو يلاقــــي ربــــه

 

مشروع المقاومة في العراق، هو المنعطف الأبرز الذي استطاع أن يغيِّر المسار الذي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية

لاشكَّ إن مشروع المقاومة في العراق، هو المنعطف الأبرز الذي استطاع أن يغيِّر المسار الذي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية في احتلال العراق، التي شاهدت بأن ما قام به أبطال المقاومة،  قد تجاوز الأفق الأمريكي المرسوم للمرحلة، وبالتالي أصبح لزاماً عليها تغيير قواعد اللعبة والبحث عن آليات جديدة. فالحديث عن هذا المشروع الكبير، حديث طويل ومتشعب ولا يمكن اختزاله بهذه العجالة، فهو يمتد إلى أعماق المشروع الكبير الذي نهض به السيد الولي الشهيد الصدر (طاب ثراه) من خلال برنامجه الإصلاحي المجتمعي، فقد كان يستهدف استنهاض الناس ضد المشروع الاستلابي الأمريكي والوقوف بوجهه، ولعل آثار سماحته الفكرية خير دليل على ذلك. ولأنَّهم الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى ورفعة، ولأنَّهم كانوا التوّاقين إلى أن يكونوا مشعلاً للخلاص والتحرُّر، ولأنَّهم أدركوا بأن الصدر العظيم، هو الشاخص الأبرز الذي لابدَّ أن يتوجَّهوا له لعبور طريق الحرية الموحش، مستلهمين من بياض كفنه وشيبته الطُهر، بياض الحق ونصاعته، إنهم أبطال المقاومة في عصائب أهل الحق، الذين تساقطوا مثل  الدموع فوق وجنات الوطن.

كان الشهيد قيس من الأوائل الذين طلبوا ترتيب أوضاع المقاومين لمواجهة الزمر الإرهابية 

لو كان لقرية (جيزاني الإمام) لسان، لحكت حكايات يشيب رأس الصغار لها، بما جرى عليها من جور وظلم، فمرَّةً تقصف بالطائرات الأمريكية، وأخرى يخطط لإكتساحها مجموعة من التكفيريين وحاضنات القاعدة من الإرهابيين، دون أن يعرف أهل القرية السبب لرمي تلك الصواريخ و(القنابر) من مدافع (الهاون) على بيوتهم، لتقتل نساءهم وأطفالهم وشيوخهم وشبابهم.

قرية فُتِحَت عليها النيران من خمس جهات، وكأن باب جهنم قد فُتِحَ عليها، وحشَّدوا جماعات إرهابية هي ضعف تعداد أهل القرية بمرَّات، فما هو السبب؟ 

إن كان قد عُرِفَ السبب أولاً، فليس هذا بالأمر في حينها، لكن المهم هو أن تحمل سلاحك مع أخوتك لتدافع ضد الإرهاب والقاعدة، تحمي أرضك وعرضك.. تحمي تاريخك وعقيدتك، هكذا فكر رجال القرية، فحملوا ماكان في متناول اليد من أسلحة بسيطة وقديمة، ليقاتلوا الشر القادم من كل الجهات، فسقط الشهداء الواحد تلو الآخر، بين بساتين النخيل والأنهر الجافة، وعلى أسطح البيوت، وربما تحتها حينما تهدَّمت، ثم تحرَّكت قوافل النساء والأطفال، الهاربين خارج قرية (جيزاني الإمام) ينشدون الأمان ليتركوا الرجال من الآباء والأزواج والأبناء يقاتلون الشر.

أُذِّن في الجامع (حي على الجهاد) فتلك دعوة من يطلب الشهادة باحثاً عن نعيم الله جلَّ وعلا في الجنة.. هكذا ركض الشباب، ليتلقوا رصاصات أعدائهم بصدورهم.

كان الشهيد قيس، أحد هؤلاء الذين لم يفكِّروا ولو ثانية واحدة بتردد أو خوف، لأنهم كانوا مؤمنين بقضيتهم.. بأرضهم وعقيدتهم، وكأنهم يدعون القاتل ليرحبوا برصاصاته بصدورهم ولينالوا الفوز العظيم.

مقتطفات من سيرة الشهيد

لعل البطولات الكبيرة التي قام بها شهيدنا العزيز قيس إبراهيم، في مواجهته للجماعات الإرهابية، جعلت أكثر المقرَّبين عليه لايتحدثون إلا عن تلك البطولات الكبيرة، إلا أن أحد أقرباء الشهيد قيس وأحد أصدقائه حدثنا عن سيرة الشهيد وبعض صفاته قائلاً:  أنا من أقرباء وأصدقاء الشهيد في نفس الوقت، والمعروف عن (رحمه الله) بأنه كان متعاوناً مع جميع أصدقائه ومحبوباً من قبل الجميع ويسعى لمساعدة جميع أبناء القرية، الذي ضحَّى بحياته من أجل الدفاع عنهم.

وكان الشهيد قيس من الذين يحثون الشباب الذين في بدايات شبابهم على التمسك بالصلاة وبقية الواجبات الدينية ويعلمونهم الأحكام الدينية المهمة، وكان كثيراً ما يوصينا بالإلتزام بأوامر الشريعة والسير في خط أهل البيت (عليهم السلام) وكأنه أحد آبائنا. وعن بدايات الشهيد في مواجهة الزمر الإرهابية يحدثنا عمه قائلاً: كانت الجماعات الإرهابية تكثف نشاطاتها ضد قريتنا بدفع طائفي- تكفيري، وكان عددهم أكثر من (700) شخص ويمتلكون مختلف أنواع الأسلحة الحديثة، وكان بينهم الكثير ممن يحملون جنسيات عربية وغير عربية وقد قتل الكثير منهم، إلا أنهم كانوا يقطعون الطريق عن القرية ويمنعون تواصلنا مع المحيط الخارجي، ولم يكن بإمكاننا الذهاب إلى أبعد من المسجد، الذي أصبح بمثابة المركز وفيه يتم معالجة الجرحى والمرضى، بسبب تعذر وصولنا إلى المستشفى، وكان الشهيد قيس من بين الأبطال الذين دافعوا عن القرية بكل شجاعة، وكان من الذين يتحملون المصاعب من أجل تأمين حياة أبناء القرية ومساعدتهم.

بداية التصدي للزمر الإرهابية

عن هذا الموضوع تتحدث والدة الشهيد قائلة: منذ أن بدأت أوضاع القرية تضطرب بسبب هجمات الإرهابيين، بدأ ولدي قيس يهيء نفسه لمواجهتهم، فأشترى كمية كبيرة من العتاد، بالإضافة إلى البندقية، ثم أخذ بحراسة القرية مع مجموعة من رفاقه، حتى صرنا لا نراه إلا قليلاً، وفي إحدى الهجمات، ذهب لمواجهة تلك المجاميع المجرمة وكان في مقدمة أبناء القرية، وعندما رجع قال لي: بأن المجرمين يخططون لهجوم كبير على القرية ولابد من مواجهتهم والتصدي، لذا سأبقى خارج البيت لفترة قد تطول، فلا أريدكم أن تقلقوا عليَّ، وعندما كان يأتي بين فترة وأخرى كنت أقول: إني أخاف عليك أن تقتل، فلماذا لا تبقى معنا في البيت، وفي حينها قال لي: أرجو منك يا أمي بأن لا تكرري مثل هذا الكلام، فإن كنت أنا وغيري لاندافع عن أنفسنا ونسائنا وأرضنا، فمن يدافع عنّا؟ 

وأيضاً يحدثنا أحد أخوته قائلاً: كان بالنسبة لي أكثر من أخ، لأننا كنا نقضي معظم الأوقات سوية، سواء في البيت أو في العمل، حتى في المعارك كنّا لانفترق، وعندما ساءت أحوال القرى ومنها قريتنا، لم نخرج منها وبقينا داخلها، وعندما جاءت المجاميع الإرهابية كنّا نجلس ونتباحث في آلية التعامل معهم، هل نتصالح معهم؟ أم نواجههم؟ حتى تطوَّرت الأمور وأخذوا بمهاجمتنا، ونحن بحمد الله سبحانه، جمعنا قوانا للمواجهة وبدأنا ندافع عن أنفسنا وعن أعراضنا وأراضينا، وقد أصبحنا على شكل مجاميع منظَّمة لكل منها واجب محدد، فكنا أنا ووالدي في جهة الشمال، وأخي الشهيد قيس وأحد أرحامنا في جهة الجنوب.

كما يقول والد الشهيد: كانت البداية عندما بدأت المجاميع الأرهابية وبمعاونة بعض أصحاب الأراضي المجاورة بمضايقاتنا بشتى الوسائل، فتارة يقتلون بعض أبناء المنطقة بطريقة غادرة، وتارة يمنعون بعض  الشباب من الدخول إلى بعض مناطق القرية، وكنا في حينها لا نعرف الفاعل الحقيقي لهذه الأفعال، وكنّا نحاول تجنّب حدوث المعارك وسعينا لأكثر من مرة للإصلاح والتفاهم، وكانت هناك الكثير من المحاولات في هذا الجانب، إلا أنهم رفضوا جميع تلك المحاولات، وكانوا يرسلون لنا الرسائل بأنهم سيمحون القرية من الوجود لأننا (روافض) حسب قولهم، ثم قاموا بأكثر من هجوم علينا، واحد منها هو هجوم (عرب الصنكور) التي كان فيها ولدي الشهيد قيس موجوداً وقد أبلى فيها بلاءً حسناً، وبعد ثلاثة أيام عاودوا مهاجمتنا مرَّة أخرى، وفي هذه الأثناء كانوا مستمرين بقصفنا بالهاونات، وفي أحد الأيام سقط أحد الهاونات بالقرب من منزل أخي السيد ظاهر، وقد تسبب في إصابة المواشي وهدم بعض أجزاء البيت، فطلب أخي السيد ظاهر من ولده الشهيد محمد بأن يأتي عندنا، وقال له: من غير المعقول أن نموت جميعنا هنا، لأن القصف سيستمر من قبل هذه الجماعات، وهكذا جاء عندنا الشهيد محمد وبقي معنا وشارك ولدي الشهيد قيس في واجباته لحماية القرية. وفي نفس السياق يتحدث أحد أقرباء الشهيد: بالإضافة إلى أنه كان من الأوائل الذين طلبوا منا ترتيب أوضاعنا لمواجهة الزمر الإرهابية وضرورة التصدي لهم، لأن تلك الجماعات الضالة بدأت تعتدي علينا وبشكل سافر، حيث قطعت الطريق على كل من يخرج من القرية أو من يدخل إليها، فتارة يخطفون وتارة أخرى يقتلون، بالإضافة إلى أنهم منعوا الموظفين من الاستمرار في عملهم، مما اضطرَّنا إلى الدفاع عن أنفسنا، وهنا كان للشهيد قيس دور كبير في حث الشباب على مواجهة الزمر الإرهابية، وبالفعل توزَّعنا إلى مجاميع منتشرة على جميع أقسام القرية للدفاع عنها، وكان الشهيد قيس من المسؤولين على تنظيم عملنا، حيث كان يزور  نقاط الحماية المنتشرة على أطراف القرية ويوجِّه الشباب ويؤكد عليهم ضرورة الحذر من هجوم تلك الزمر المجرمة، وكان كثيراً ما يتحدث عن الشهادة وضرورة السعي إليها.

من صور البطولة والفداء

وعن صور البطولة والتضحية التي كان يسطرها الشهيد قيس ورفاقه، يحدثنا أحد أخوته قائلاً: في إحدى المرّات أشتدت المواجهات مع التكفيريين واستمرَّت طويلاً، مما اضطرَّنا إلى إخلاء عوائلنا إلى مكان أكثر أمناً، لأن قذائف الهاون بدأت تسقط بشكل عشوائي على بيوتنا، وأخذت المعركة تشتد أكثر، لأنها بقيت لأكثر من عشرة أيام، وقد منع التجوال في المنطقة تماماً، إلا أن الله نصرنا على تلك المجاميع التكفيرية بعد البطولات الكبيرة التي قام بها أخي الشهيد قيس، حيث قضى نحبه بعد أن استبسل في القتال وذهب في سبيل الله ودفاعاً عن الدين والمذهب والأرض والعِرض. 

وعن ذات الموضوع تتحدث والدته قائلة: في أحد الأيام جاء ولدي الشهيد قيس ليلاً مع أحد أبناء الجيران ومعهم أحد أبناء أختي الذي فرَّ من القصف الذي طال بيتهم، ومع أذان الفجر استيقظت حتى أقوم بتجهيز الخبز الحار لهم ولبقية الشباب الموجودين لحماية المنطقة، حيث لم تبقى من نساء القرية غير ثلاثة نساء كبيرات في السن، أنا وأثنين من الجيران، وبينما أنا أجهِّز الخبز، سمعت أصوات إطلاق النار، لكني لم أوقظ ولدي قيس خوفاً عليه، إلاّ أنه نهض من فراشه مسرعاً بعد أن سمع صوت الإطلاقات وهبَّ مسرعاً مع أبن أختي، وجهَّز نفسه وحمل سلاحه وخرج راكضاً ولم أوقفه أو أمنعه، وكأن أحد قيَّدني عن ذلك، وخرجوا وبقيت منشغلة بإعداد الخبز لهم ولم أتوقَّع أن الأمر سيطول، وبعد أن أنهيت إعداد الخبز حاولت الخروج ولم أتمكَّن من ذلك بسبب قصف (الهاونات) الذي تزايد، إلا أن خوفي على الشباب جعلني أخرج على الرغم من ذلك، وقد سمعت صراخ نسوة الجيران، وعندما استفسرت منهن عن السبب، صرخن بأن الجماعات التكفيرية ستأتي وتأخذنا، فذهبت بإتجاه مكان المواجهات، إلا أن أحد أبناء الجيران منعني وأعادني، وفي هذه الأثناء بدأنا نسمع صوت التكبير من الجامع، حينها قلت بأن ولدي قد استشهد فركضت إلى الجامع، وعندما وصلت رأيت أبن أختي على الأرض، فحاولت حمله والحديث معه إلا أنه كان ميتاً، ثم أخذ الشباب الموجودين يصبِّرون عليَّ ويقولون بأن قيس لم يصبه شيء، إلا أنني أعلم بأنه قد أُستشهد. كنت تصعد على النخلة تحضنها وهي الأخرى تحضنك، تخاف عليك من السقوط وتظلل عليك من شمس النهار كي تعطيك ثمارها، كنت شامخاً كنخيلك أيها الشهيد، ولم تمت لأنك ولدت من جديد. 

(ياحسين) والرحيل في ركب الشهداء 

عن حادثة الاستشهاد يحدثنا لنا شقيقه الأكبر قائلاً: في فجر أحد الأيام وقبل طلوع الفجر استيقظنا على أصوات قذائف الهاون تدك القرية، فنهض الشهيد قيس وبعض رفاقه مسرعين، وأخبرنا بضرورة أن نخلي القرية من النساء بأسرع وقت، خوفاً من مجيء الأمريكان الذي لايرعون إنتهاك الحرمات مع الزمر الإرهابية، وبالفعل أخرجنا النساء والأطفال وأخذناهم إلى بغداد وإلى (السندية) وبقيت لمدة يومين في بغداد ولم أستطع المجيء إلى هنا، لأن قوات الاحتلال الأمريكي قد قطعت الطريق إلى القرية، وفي هذه الأثناء سمعت بأن القرية تعرَّضت إلى هجوم عنيف من قبل الجماعات الإرهابية، وعندما اتصلت ببعض الشباب لم يخبروني باستشهاد قيس، وحاولت الوصول إلى القرية دون جدوى، ثم تأكَّدت لي خبر استشهاده عن طريق والدي، الذي نصحني بعدم المجيء وإنتظار جثامين الشهداء في بغداد والذهاب معها إلى النجف الأشرف، لأن أوضاع القرية كانت سيئة للغاية، وبالفعل عندما رافقتهم الشهداء إلى المقبرة ودفناهم في مقبرة الشهداء، وبعد يومين عدنا إلى القرية وكانت الأوضاع غير مستقرة، إلا أن استشهاد الشباب كان حافزاً لأهالي القرية، حيث أصبحت الواجبات بشكل منظَّم من قبل أبناء القرية ومتوزِّعة على الجميع، فهناك من يقوم بواجبات الحماية صباحاً ومساءً.

ويضيف والده عن حادثة الاستشهاد: في أحد الأيام ومع آذان الفجر، سمعنا أصوات قذائف الهاون فأسرع الشباب وحملوا أسلحتهم، وكانوا على شكل جماعات كل لها واجبات محددة، وكان الهجوم الأخير من أربع جهات، فذهبت خلفهم وأخذت مكاني في أحد المواضع التي وضعناها وكنت أسمع أصوات التكفيريين وهم يكبِّرون قبل أن يطلقوا القذائف علينا، فكنّا نردد (ياحسين.. ياحسين)، في هذه الأثناء جاء أحد الشباب وأخبرنا بأن (حسن ناجي) قد استشهد، وحينها قلت بأن ولدي قيس هو الآخر قد استشهد، لأنه كان في مكان المواجهة وفي خطها الأمامي، وبالفعل كان شعوري كوالد في محله، لقد تأثَّرت عليه لأنه كان يحمل كل الصفات النبيلة، وكان مطيعاً لي ومثابراً في عمله ومدافعاً عن أهله وناسه وقريته وشجاعاً.

وأيضاً يتحدث أحد أقربائه قائلاً: في الهجوم الأخير الذي انفتح علنا من ثلاثة محاور، كان الشهيد قيس هو المسؤول عن القاطع الذي أنا فيه، ومع بداية القتال وبدء المناورات، تقدمنا باتجاه المجاميع الإرهابية، لأنهم استطاعوا من الدخول إلى أحد بيوت القرية والإستيلاء عليه، وهنا جن جنون الشهيد قيس وأصرَّ على إخراجهم من ذلك، وحاولنا منعه بأية طريقة وقلنا له بأنهم أكثر منا عدة وعدداً، بالإضافة إلى أن وجودهم داخل البيت يجعلهم أكثر أمناً منا، مما يسهل عليهم عملية الدفاع عن أنفسهم، إلا أنه (رحمه الله) كان يقول، بأن عدم دفاعنا بأسرع وقت عن البيت وإخراجهم منه، سيجعلهم يستسهلون أمرنا ويشجِّعهم على اقتحام القرية بأسرع وقت. وبالفعل ذهبنا بقيادة الشهيد قيس باتجاه البيت وبدأت المواجهة وكانت عنيفة جداً، وكان الشهيد في مقدمتنا وقد أصيب بجروح في ساقه وطلبنا منه الإنسحاب إلا أنه رفض، واستمر في الزحف باتجاه الإرهابيين وهو ينادي (ياحسين) وكان هذا الشعار أكثر ما يغيض تلك الزمر المجرمة، ويجعلهم في حالة أشبه بالهيستريا، وقد خرجوا عليه بأعداد كبيرة وأطلقوا عليه الكثير من الرصاصات، وهو يستمر بنداء (ياحسين) حتى فاضت روحه الطاهرة.

ويضيف والده: لم يتأكد لنا خبر استشهاده في أول الأمر، لأنه كان في الخط الأمامي لمواجهة الزمر الإرهابية، فلم نتمكن من الوصول إليه وكانت الأخبار متضاربة بشأن ذلك، فهناك من يقول بأنه قد أصيب وهناك من يقول قد استشهد، وبعد فترة تأكدت من الخبر، إلا أننا لم نرَ الجثث بسبب استمرار المعارك مع الزمر الإرهابية.

الشهيد في عيون أحبَّته

ربما ترك الشهيد قيس بيته والبستان؟ ربما ترك أمَّاً؟ ربما ترك الدنيا بحالها؟ ليركض متلهفاً هو وبندقيته، يعبر السياج تلو السياج، هذا الشهيد الذي كان كل ذنبه حب آل البيت (عليهم السلام).. ركض الشهيد قيس وهو يبحث عن أعداء الله، وليضع خطاً أحمر لا يقدر على تجاوزه أحد منهم، لكن خطه الأحمر رسمه على الأرض بدمائه يفزع به الأعداء، ولينتصر من جديد الدم على السيف.

يقول والده: وعلى الرغم من كوني والد وحزني عليه لايوصف، إلا أنني فخور به، لأنه نال مقاماً كبيراً عند الله وعند أهل قريته الذين دافع عنهم، ولولاه ولولا رفاقه الأبطال، لاستطاعت زمر القاعدة الإجرامية أن تنتهك حرماتنا وتستولي على قريتنا بالكامل. ويقول أحد أصدقائه مخاطباً الشهيد: هنيئاً لك هذه العاقبة الحسنة، التي لاينالها إلا المخلصين والأبطال أمثاله، وأتمنى أن ننال تلك المنزلة الكبيرة. وفي ذات السياق يخاطبه أخوه: هنيئاً لك على هذه النهاية المشرِّفة لك ولأخوتك من الشهداء الذين قضوا معك، لأنه ذهب شهيداً في سبيل الله ونال أعلى الدرجات. إلا أن والدته كانت تخفي دموعها على ولدها الشهيد خوفاً على بقية أفراد العائلة، فتقول: كثيراً ما أخفي دموعي حزناً على قيس، ولا أبكي أمام أبوه وأخوته حرصاً عليهم، إلا أنني مع نفسي أتقطَّع شوقاً، لأنني افتقدت جزءاً مهماً مني، على الرغم من وجود والده وأثنين من أخوته، وكثيراً ما أخرج إلى البستان كي أبكي عليه لوحدي، وأبقى مع صورته التي لا تفارقني أبداً، وأصبحنا جميعاً عاجزين عن القيام بأي شيء.

سلاماً أيها الشهيد، أنت وكل الذين سقطوا معك، لقد جعلت من أجسادكم سوراً وحصناً منيعاً لتحموا به أولادكم.. أنتم يامن ينادونكم أحفاد علي والحسين (عليهما أفضل السلام).. كنتم أبطالاً بحق وبكم بقيت قرية (جيزاني الإمام) عامرة زاهية.


لمشاهدة التسجيل الكامل لحلقة رجال صدقوا للشهيد المجاهد قيس ابراهيم انقر على الرابط التالي

http://ahlualhaqmedia.com/video_watch_102.html

 

قد يعجبك ايضا
يمكنكم تحميل تطبيق عصائب اهل الحق ومتابعة الاخبار اولاً بأول

التحميل الآن
التحميل لاحقاَ
%d مدونون معجبون بهذه: