الشهيد السعيد لؤي خير الله أول من أصاب جنود الإحتلال في العراق في أول تظاهرات بالبصرة

 

 

لاشكَّ إن مشروع المقاومة في العراق، هو المنعطف الأبرز الذي استطاع أن يغيِّر المسار الذي تبنته الولايات المتحدة الامريكية في احتلال العراق، التي شاهدت بأن ما قام به أبطال المقاومة،  قد تجاوز الأفق الأمريكي المرسوم للمرحلة، وبالتالي أصبح لزاماً عليها تغيير قواعد اللعبة والبحث عن آليات جديدة. فالحديث عن هذا المشروع الكبير، حديث طويل ومتشعب ولا يمكن اختزاله بهذه العجالة، فهو يمتد الى اعماق المشروع الكبير الذي نهض به السيد الولي الشهيد الصدر (طاب ثراه) من خلال برنامجه الإصلاحي المجتمعي، فقد كان يستهدف استنهاض الناس ضد المشروع الاستلابي الأمريكي والوقوف بوجهه، ولعل آثار سماحته الفكرية خير دليل على ذلك.

ولأنَّهم الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى ورفعة، ولأنَّهم كانوا التوّاقين إلى أن يكونوا مشعلاً للخلاص والتحرُّر، ولأنَّهم أدركوا بأن الصدر العظيم، هو الشاخص الأبرز الذي لابدَّ أن يتوجَّهوا له لعبور طريق الحرية الموحش، مستلهمين من بياض كفنه وشيبته الطُهر، بياض الحق ونصاعته، إنهم أبطال المقاومة في عصائب أهل الحق، الذين تساقطوا مثل  الدموع فوق وجنات الوطن .

 

مدينة السياب ذات الشناشيل المعهودة وهو يتغنَّى بها (الشمس أجمل في بلادي من سواها)، مدينة غافية على أكتاف شط العرب، وفي بطون كتب المؤلفين والمترجمين والجغرافيين، القدماء والمعاصرين، كواحدة من أهم مدن العراق بعد العاصمة بغداد.. موقعها الجغرافيّ وثرواتها الطبيعية أهلاها لأخذ موقع سياسيّ خطير خلال الحكومات المتعاقبة في تاريخ العراق المعاصر، فضلاً عن طبيعة تعاملها مع حقب الاحتلال التي مرَّ بها العراق والتي كان لهذه المدينة دور بارز فيها لأنَّها مدينة عاشت مرحلتين من الاحتلال البريطاني، الأولى في مقتبل القرن العشرين والثانية في مقتبل القرن الحادي والعشرين كجزء من مشروع استعماريّ كبير استهدف العراق أكثر من مرَّة، إنَّها مدينة البصرة.  

ولادة الشهيد ومحطات من سيرته:

ولد لؤي خير الله في محافظة البصرة في الخامس والعشرين من تموز عام 1972. نشأ وترعرع في منطقة الزبير مع عائلته في ظل ظروف معروفة بقساوتها آنذاك بسبب الفقر المُدقع الناتج عن طبيعة تعامل حكومة (البكر) التي مهَّدت لظروف أقسى واصعب فيما بعد، لكنها لم تؤثِّر في المنظومة التربوية للفرد العراقيّ القائمة على ركنين اساسيين هما الدين والتقاليد.

وعن طبيعة علاقته مع أفراد عائلته، تقول والدته: كانت علاقتي بولدي الشهيد علاقة متميزة جداً، وكنّا بمثابة الأصدقاء، بل كنت صديقته وأخته فضلاً عن كوني أمه، ولم أتذكَّر أنه قد أغضبني يوماً، وكان يحمل أخلاقاً رفيعة ويسعى لمساعدة جميع الناس، وكان لا يخشى في سبيل الحق أيَّة (مجازفات)، وحتى عندما كنت أطلب منه أن ينتبه إلى نفسه، كان يقول لي: لا تقلقي عليَّ يا أمي، فلابدَّ أن نضحِّي من أجل خلاص هذا الوطن، ولا تستغربي لو جئتك شهيداً، ولا أريد منك أن تخرجي حزينة أمام الناس.

وفي نفس السياق يقول أحد المجاهدين مع الشهيد: علامات الإيمان كانت واضحة على الشهيد المجاهد (أبو فاطمة)، وكانت طيبة نفسه ومروءته من أهم الصفات التي ساعدته على إستقطاب الناس وجذبهم حوله، وكان في غاية النبل والإيثار.

وأيضاً يذكر أحد أصدقاء الشهيد: كان حب النبي محمَّد وأهل بيته الأطهار من صفاته الأساسيَّة، وكان مواظباً على زيارة أهل البيت (عليهم السلام)، وكانت شخصيته الرائعة مبنيَّة على الحب، ولعل العاطفة التي يمتلكها تجاه الآخرين لا توجد عن الآخرين، وكأنَّه مخلوق من الحب والحنان، وكانت صفاته الإنسانيَّة أشبه بالمتكاملة، وكان كثيراً ما يطلب الشهادة بالدعاء عن مراقد الأئمة (عليهم السلام)، وكان عشقه للنبي الخاتم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) طاغياً على شخصيته أكثر من أي شيء آخر.  

تدرَّج لؤي في المراحل الدراسيَّة إلا أنَّه لم يكملها لسبب يتشارك فيه جميع العراقيين آنذاك وهو لقمة العيش، فترك مقاعد الدراسة لتأخذ الخدمة العسكريَّة الإلزاميَّة جزءا من حياته قبل أن يمارس مهنته حلّاقاً في أحد محال (الزبير) والذي كان أكثر من مجرَّد محل حلاقة.

وعن هذه المرحلة يُحدِّثنا أحد أخوة الشهيد قائلاً: درس الإبتدائيَّة في (الزبير) ثم في متوسطة النجاة، وبعدها دخل إعداديَّة الصناعة، إلاّ أنَّه تركها وأضطر إلى الإلتحاق بالخدمة العسكريَّة، ثم دخل في دورة لتعلُّم مهنة الحلاقة، وسرعان ما ترك الخدمة العسكريَّة، لأنَّه كان يعتبر ذلك خدمةً للطاغية وأعوانه، وهو إعانة للمظلوم.    

بدأت الملامح الفكريَّة للشهيد لؤي تتضح تزامناً مع انشغال الساحة العراقيَّة بالنهج الثوريّ للسيِّد الشهيد محمَّد باقر الصدر(قُدِّس سرُّه) الذي لم يكن قد مرَّ وقت طويل على استشهاده، وكان لؤي قد عاصر في طفولته أوج النهضة الفكريَّة للشهيد الصدر الأول من خلال خطاباته الموجَّهة للشباب من ناحية، وخطابات التحدي للنظام الدكتاتوريّ من ناحية أخرى.

ويذكر أحد أصدقاء الشهيد: كان الشهيد لؤي مواظباً على قراءة مؤلفات السيِّد الشهيد محمَّد باقر الصدر (قُدِّس سرُّه)، لأنَّه أول من وقف في وجه الدكتاتوريَّة الصداميَّة والتصدّي لها، من خلال الأفكار الرائعة التي طرحها، والتي كانت تخاطب الشباب والعقول االمتحرِّرة وتنبيههم للمخططات التي يسعى لتنفيذها النظام البعثيّ.

وفي ذات السياق يذكر أخو الشهيد علي: كان إرتباط الشهيد لؤي بالسيِّد الشهيد الصَّدر الأول إرتباطاً عجيباً وقلَّما نجد له نظير، إلى درجة أنَّه كأنما ينتقل إلى عالمٍ آخر بمجرَّد ذكر السيِّد الشهيد أمامه، وقد تأثَّر به كثيراً وأصبح المعلِّم الأول والمربي له على مستوى السيرة والسلوك، ولاسيَّما السيرة الجهاديَّة للشهيد الصدر الأول، كان لها إنعكاساً واضحاً في حياة لؤي.

لقد انعكست نهضة السيِّد الشهيد الصدر الأول على سلوك لؤي وأهدافه التي اتسعت لتكون أهداف مجتمع بأكمله، فاتخذ من التثقيف الدينيّ والفكريّ وسيلة لتقوية الجبهة البصريَّة ضد أفكار البعث الصداميّ وما رافقها من انحرافات فكريَّة وسلوكيَّة، حيث كانت الكلمة المكتوبة والمسموعة جزءا لا يتجزأ من بواكير حياة لؤي الجهاديَّة.

وهنا يُحدِّثنا أخو الشهيد: في هذه الفترة، أصبح محل الحلاقة الذي يعمل فيه، أشبه بالمدرسة الدينيَّة المُصغَّرة، وكان جميع من يهتم بالشؤون الدينيَّة أو من يُريد السؤال عن الأمور الشرعيَّة من  أنحاء قضاء الزبير كافة، كان يذهب إلى محل الشهيد لؤي، حتى تناقل بين الناس، بأنَّ من يحتاج أمراً من الحوزة العلميَّة في النجف الأشرف، فعليه الذهاب إلى (صالون حلاقة لؤي)!

ويضيف أحد أصدقاء الشهيد: في تلك الفترة العصيبة على أبناء العراق، كان الحصول على الكتب الدينيَّة أمر في غاية الصعوبة، إلاّ أنَّ الشهيد (لؤي) كان يبذل كافَّة الجهود من أجل الحصول على الكتب الدينيَّة وتوزيعها للشباب، وكنّا نتباحث في مواضيع الكتب التي نُطالعها في محل حلاقته، حتى أصبح المحل من الأماكن المشبوهة من مجهة نظر الأجهزة الأمنيَّة الصداميَّة، لأنَّه كان مكاناً للمداولات الفكريَّة الإسلاميَّة البحتة.

 بداية المسيرة الجهاديَّة

لقد كان هذا الحراك الفكريّ في مدينة عرفت بعطائها وكثرة شهدائها يشكلُّ تهديداً لأزلام النظام آنذاك فضيَّقوا الخناق على الشهيد لؤي ورصدوا تحرّكاته خصوصاً إنَّه من عائلة ذات حضور في سجلات الأمن البعثيّ.

حيث يقول أخو الشهيد: كان للشهيد لؤي أربعة أعمام قد أعدمهم النظام الصداميّ، أثنان منهم أُعِدموا في عام 1980 بعد إستشهاد السيِّد محمَّد باقر الصدر، وأثنان في الإنتفاضة الشعبابيَّة عام 1991، واحداً منهم إقتحم أحد المقرّات التابعة لحزب البعث المقبور، والآخر تمَّ إعتقاله من قبل قوات الجيش آنذاك، ودفن في المقابر الجماعيَّة.

 وبالرغم من هذه المضايقات استمر شهيدنا لؤي في جهاده الفكريّ الذي تحوَّل إلى مرحلة التعبئة الجماهيريَّة تزامنا ًمع انطلاق الانتفاضة الشعبانيَّة عام 1991 التي كادت تنجح في إسقاط النظام لولا التدخل الخارجيّ وغياب المركزيَّة في تحرُّك أبناء المقاومة، إلا أنَّها كانت فتيلاً لكلِّ التحرّكات الجهاديَّة التي تلتها، خصوصاً الثورة الفكريَّة للسيد الشهيد محمَّد محمَّد صادق الصدر (قُدِّس سرُّه).

ويذكر أحد أخوته بهذا الصدد: بعد الإنتفاضة الشعبانيَّة، وعندما رجعت إلى البصرة، قال لي بعض الأخوة بأنَّ (لؤي) مع مجموعة من رفاقه قاموا بضرب القوات الأمنيَّة الصداميَّة، وعلى إثرها قامت القوات الأمنيَّة بضرب منزلنا، وجاءت قوات الجيش آنذاك تبحث عن (لؤي)، فوجدوا فقط النساء، وقد قمت بلبس ملابسي العسكريَّة، وقد أخبرتهم بأنِّي راجع من الإنسحاب وأنوي الإلتحاق بالوحدة العسكريَّة، وعندما سألوني عن أخوتي، أجبتهم بأنَّ أحدهم قد إلتحق بوحدته العسكريَّة، والآخر يعمل في الناصريَّة.

شهيدنا يجد ضالته في نهضة الصدر الثاني

يذكر أحد المقاومين مع الشهيد: كان الشهيد لؤي من مقلدي السيِّد الشهيد محمَّد محمَّد صادق الصدر (قُدِّس سرُّه) ومن المواظبين على حضور صلاة الجمعة، وكان يعمل جاهداً على نشر أفكار السيِّد الشهيد بين أوساط الشباب، لأنَّه أدرك بأنَّ شريحة الشباب هي الشريحة الأهم التي أعتمد عليها السيِّد الشهيد، وكان يُقارن بين نهضة السيِّد الشهيد وبين الدعوة المحمديَّة من جهة كونها دعوة سلميَّة إلى كلِّ المُثل الحيَّة، مُثل الخير والسلام والعدل والحريَّة، وكان الشهيد (لؤي) يعقد الجلسات الليليَّة لمناقشة هذه الأفكار، بسبب مضايقة الأجهزة الأمنيَّة آنذاك لمثل هذه النشاطات، .

 من جانبه ذكر أحد أشقاء الشهيد: عندما ظهر السيِّد الشهيد الصَّدر الثاني، وكأنَّ الحياة قد عادت إلى لؤي من جديد، وقد أعاد له وجوده الذي استشعر فقدانه بإستشهاد الصدر الأول، وبعد رحيل الصدر الثاني، كان همَّه الوحيد هو كيفيَّة نقل أفكار السيِّد الشهيد بين الناس، وكان يؤكِّد دائماً على ذكر مآثر السيِّد الشهيد حتى في الجلسات الخاصة، وكان آثار التغيير الإصلاحيّ الذي أحدثه السيِّد الشهيد الصدر الثاني في الأمة، واضح وبشكلٍّ جليّ في شخصية لؤي وسلوكه، وكان من السبّاقين على التأكيد على ما جاء السيِّد الشهيد الصدر، وكأنَّه معلِّماً لنا وللمقربين منه، لأنَّ تأثير السيِّد الشهيد الصدر عليه كان جذريّاً وكبيراً في حياته.

لقد أدرك نظام صدام منذ الوهلة الأولى خطورة وجود السيِّد الشهيد الصدر مع ما يمتلكه من قدرة على تعبئة الجماهير ضد الهمجيَّة البعثيَّة، فحاك العديد من المؤامرات للالتفاف على الثورة الفكريَّة من خلال التضييق على صلاة الجمعة واعتقال الآلاف من الشباب بتهم مشرفة كالانتماء إلى الأحزاب الدينيَّة أو محاولة اسقاط النظام.

لم يجد النظام سبيلاً للتخلُّص من خطر النهضة الفكريَّة سوى تصفية السيِّد الشهيد الصدر جسديّاً، فأقدم على إغتياله في التاسع عشر من شباط عام 1999 مع ولديه الشهيدين السيِّد مصطفى والسيِّد مؤمل، ما أحدث ضجَّة كبيرة على الساحتين الدينيَّة والاجتماعيَّة، اما من الناحية السياسيَّة فقد زاد أزلام النظام من تجاوزاتهم الهمجيَّة على أبناء الشعب العراقي بشكلٍّ عام وعلى أبناء البصرة بشكلٍّ خاص، ما أجبر لؤي على مغادرة العراق إلى سورية بضغط من والدته والمقربين منه.

ويؤكِّد أحد المقاومين مع الشهيد أنَّه: بعد رحيل السيِّد الشهيد الصدر الثاني، إضطر الشهيد لؤي لمغادرة العراق بسبب الضغوط التي مارستها أجهزة القمع الصداميَّة على أتباع السيِّد الشهيد الصدر، من قتل وإعتقال وتعذيب وتشريد، وبعد سقوط النظام البعثيّ، عاد إلى العراق لتلبية نداء الوطن الذي يحتاج إلى كلِّ أبنائه في مثل هذه الظروف.

من جهته يضيف أخوه: غادر الشهيد لؤي العراق بعد إستشهاد الصدر الثاني، لأنَّ أجهزة الأمن كانت تقتنص أتباع السيِّد الشهيد الصدر واحداً بعد الآخر، لكنه عاد إلى العراق بعد دخول قوات الإحتلال، وقد عاد ثابت العقيدة وقوي الإيمان، وجاء ليُمارس ما يُمكنه أن يُمارسه من إصلاحٍ بين أفراد المجتمع.

سيرة الشهيد بعد الإحتلال

يذكر أحد المقرَّبين من الشهيد: مع بداية رجوع الشهيد لؤي للعراق بعد سقوط النظام الصداميّ، عمل على خدمة الناس وإصلاح أحوالهم، وكان قد بدأ في أعمال تنظيم السير بعد غياب أجهزة الدولة، وكذلك تنظيف الشوارع ووتوفير الخدمات للمناطق السكنيَّة.

وأيضاً يُضيف أخوه علي: عندما رجع إلى العراق قادماً من سوريا، وكان قد توقَّف في الناصريَّة لزيارة بعض أقربائنا هناك، بدأ الشهيد لؤي عمله من جديد لخدمة الناس، حيث شارك معنا منذ الأيام الأولى لسقوط النظام في عمليّات تنظيف الشوارع، وكنّا نأتي منذ الصباح الباكر في أيام الشتاء، وكان هو أول من يبدأ في حمل المكنسة والبدء بعمليّات التنظيف، مما جعل الآخرون يحذون حذوه، ومن ثمَّ عَمَلَ في تنظيم سير المركبات والإختناقات المروريَّة.

لقد كان دخول قوات الاحتلال للعراق يشكل ناقوس خطر لوقوع العراق بين براثن دكتاتوريَّة جديدة لم يكن أبناء العراق بشكلٍّ عام وأبناء البصرة بشكل خاصٍّ ليسمحوا ببقائها مستثمرين تاريخ البصرة الطويل في التعامل مع الاحتلال الذي ظنَّ أنَّه سيتخذ من المدينة الجنوبيَّة ممراً سهلاً إلى داخل العراق، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن المحتل، فكانت البصرة أول محافظة ترفع سلاح المقاومة بوجه المحتل الذي تلقَّى ضربات موجعة أوقعت فيه خسائر أجبرت البنتاغون على إعادة حساباته من جديد.

وعن هذه الفترة يقول علي شقيق الشهيد: عندما دخلت القوات البريطانيَّة إلى محافظة البصرة وجاء أول حاكم فيها، إجتمع رأي الأخوان على أن تخرج تظاهرات ضد وجود الإحتلال، ولأنَّها ستكون التظاهرات الأولى في العراق بعد الإحتلال، فلابدَّ أن يكون لها صدى واضح عن المُحتل، حتى يُدرك بأنَّ أبناء العراق رافضين لوجوده، وهكذا بدأت التظاهرة وأنطلقت من المحكمة القديمة حتى وصلت إلى القصر الذي تتواجد فيه القوات البريطانيَّة، وقبل الوصول إلى القصر، إقتحمت سيارة تابعة للإحتلال صفوف المتظاهرين، مما دفع الشهيد لؤي الذي كان في طليعة المتظاهرين، إلى حمل حجر من الأرض والصعود إلى السيارة وضرب رأس أحد الجنود الموجودين فيها، فكان هو أول من أصاب جنود الإحتلال في العراق.

بدأت المقاومة تأخذ بعدا تنظيمياً كبيراً من خلال تشكيل الفصائل غير أنَّ أكثر جهات المقاومة وضوحاً كانت عصائب أهل الحق بتشكيلاتها ومجاميعها المتنوَّعة ذات الطابع العسكريّ المُنظَّم.

الشهيد بين أهل الحق

ويُضيف أحد المقاومين مع الشهيد بهذا الجانب: كان من الأوائل الذين إنضموا إلى صفوف المقاومة الإسلاميَّة (عصائب أهل الحق)، وكنّا قد كلَّفناه بمجموعة من الواجبات التي كانت بمثابة الإختبار، نظراً لسريَّة العمل المقاوِم وحساسيَّته، وقد أبلى الشهيد لؤي بلاءً حسناً، وقد أنجز مهامه على خير وجه، من دون أن يعرف هويَّتنا، كان فقط يعرف بأنَّنا جهة مقاومة للإحتلال، وبعد أن فاتحناه بشأن العمل معنا، بدأ يعمل في قضاء الزبير، وكان عمله الرئيس أشبه برصد تحرُّكات قوات الإحتلال هناك.

كان الخزين الفكريّ الذي يتمتَّع به لؤي مؤثِّراً بشكلٍّ كبيرٍ في إخوته من أبناء المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق، خصوصاً إنَّه من مدينة ذات عطاء لا ينضب على المستوى الفكريّ والأدبيّ حتى يظنّ من يعاشره أن جذوره تنمو في أرض سقاها السيّاب شعراً فأنبتت مقاومين شعراء.

يقول أحد المقاومين مع الشهيد: الأخ الشهيد لؤي كان حافظاً جيداً للشعر، وكا يُنشد الشعر في حب النبي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) بين صفوف إخوته المجاهدين.

كان تخصُّص لؤي في العمل الجهادي هو الرصد والمتابعة وتوفير المعلومات لإخوته المجاهدين حول تحرُّكات قوات الاحتلال وأماكن وجودهم فضلاً عن طبيعة تسليحهم وأوقات انتقالهم من مكان إلى آخر وهو من أخطر وأهم أقسام العمل العسكريّ حيث يعتمد تقدير نجاح اية عملية جهادية على مدى دقة المعلومات الاستخباريَّة.

وأيضاً يُضيف أحد أخوته في المقاومة: كان لقضاء الزبير خصوصيَّة جغرافيَّة، كونه قريباً من القاعدة البريطانيَّة وقريباً من سجن (بوكا) وقريباً من قاعدة الشعيبة والمطار، وكانت قوات الإحتلال قد جنَّدت بعض ضعاف النفوس في للتجسُّس على المقاومين وكل من يعمل مع المقاومة.

لقد كان العمل الجهاديّ يفرض حالة من الكتمان على أبناء المقاومة حفاظاً على حياتهم وعلى المشروع الجهاديّ، فاستمر الشهيد لؤي في عمله حلّاقاً بـ(الزبير) وبقيت صلته بالفقراء والمعدمين تشكِّل طابعاً يصبغ شخصيته ويعطيها هويَّة شفافة تقرّبه من الناس أكثر فأكثر في حين يتربَّص به الخطر أكثر فأكثر.

علاقة الشهيد بالناس

وعن طبيعة علاقته الإجتماعيَّة مع الناس يقول شقيقه علي: أحد الأيام كنت جالساً في محل الحلاقة التابع للشهيد لؤي، وكنت قد رأيت مجموعة من النسوة تنظر إلى المحل، فناديت العامل وطلبت منه أن يعرف سبب وقوف الناس والنظر إلى المحل بهذه الطريقة، فرجع العامل وقال لي بأنَّ النسوة تسأل عني، وكان شكلي قريباً بعض الشيء من الشهيد، فخرجت لهن وسألتهن عن سبب مجيئهن، فقالت إحداهن: ألم تعرفنا أنت؟ فقلت لها: لا، لم أعرفك، فقالت: أنا التي آتيك دائماً لإستلام الراتب، وأظهرت لي وصولات تؤكِّد ذلك، فعرفت حينها بأنَّه كان يقوم بتوزيع الرواتب للعوائل المتعفِّفة والفقيرة، ولم يكن أحد يعرف بذلك، على الرغم من إنِّني كنت من أقرب الناس إليه.

ويُضيف في نفس الموضوع أحد أصدقائه: كان تعامل الشهيد لؤي مع الأيتام والأرامل تعاملاً خاصاً، وكانت رعايته لهم رعاية كبيرة، وكان يعتبر هذا من الأمور الخاصة بينه وبين الله، ولعل الجميع يشهد للشهيد في المجال، وكان يولي الأيتام إهتماماً كبيراً بصرف النظر عن إنتماء اليتيم المذهبيّ أو القوميّ، وكان يُكرِّس لهم من وقته الشيء الكثير، ويوفِّر إحتياجاتهم الماديَّة والمعنويَّة.

في رحاب الشهادة

لقد كان للضربات الموجعة التي تلقتها قوات الاحتلال أثر في دفعها للتخلُّص من مصادر معلومات المقاومة، فدبَّرت في الخامس والعشرين من شباط عام 2007 عمليَّة اغتيال المجاهد لؤي خير الله أثناء عودته من محل عمله إلى البيت.

فقام أذناب الاحتلال بمحاصرة لؤي بثلاث سيارات من جهات متعدِّدة، وأطلقوا النار عليه بمجرَّد ترجّله من السيارة التي كان يستقلها في طريق عودته ليرد عليهم هو بكلِّ بسالة في اشتباك لم يدم طويلاَ حتى أنفض عنه لؤي شهيداً مضرجا بدمائه.

وعن حادثة الإستشهاد يروي شقيق الشهيد: في يوم إستشهاده (رضوان الله تعالى عليه)، إتصلت به وطلبت منه عدم التأخُّر في المجيء للبيت بناء على طلب والدتي، فقال لي بأنَّه لن يتأخر وسيغلق المحل قريباً ويأتي.

ويُضيف شقيقه الآخر علي: أنا أيضاً إتصلت به وذكَّرته بطلب والدتي بأن يعود مبكراً، وعند إغلاقه للمحل شاهده أحد الأصدقاء وهو يُجهِّز مسدسه، فسأله عن السبب، فقال له الشهيد لؤي، بأنَّ هذا اليوم هو يوم إستشهاده، وفي طريق عودته إلى البيت حاصرته ثلاثة سيّارات ومن جهات مختلفة، وأمطرت عليه وابل من الرصاص وفي مختلف أجزاء جسده.

ويُضيف أحد المقاومين مع الشهيد عن حادثة الإستشهاد: ذهبنا إلى المستشفى ووجدنا الكثير الكثير من أبناء قضاء الزبير متواجدين هناك، وهذا ما يؤكِّد بأنَّه لم يكن أحد أبناء المقاومة فقط، بل كان ينتمي لكلِّ الناس، وقد حزن عليه الجميع، لما يعرفون عنه من صفات حميدة، وقد توشَّحت أغلب مناطق القضاء بالسواد.

كان يُدرك شهادته طفلاً

ومن المفارقات التي تجدر الإشارة إليها بهذه الصدد، هو ما قاله شقيق الشهيد، حيث قال: كانت للشهيد لؤي صورة قديمة ألتقطت له في الثمانينات وكان عمره عشرة سنوات تقريباً، وكان قد كتب عليها الشهيد البطل لؤي خير الله، تاريخ الإستشهاد 25/ 2، وعندما سألته عن هذه التاريخ، قال لي بأنَّه سيستشهد في هذا التاريخ، وهذا ما أعتبره أنا من كراماته، فهنيئاً له الشهادة، وكان (رحمه الله) يتمنى أن يرى العراق معافى من الظلم والطغيان، وكان يتمنى أن يرى العراقيون ينعمون بالخير والإمان.

رحل الشهيد لؤي تاركاً خلفه ثلاثة أبناء وأماً تفتخر به في كلِّ مكان وإخوة وأصدقاء يذكرونه في كل مكان وكأنه مازال يعيش بينهم، وترك خلفه عبارات تجمع بين قوة أبناء المقاومة وعذوبة المشتاقين للحاق به عند رب وعد المستشهدين في سبيله حياة في جنات الخلد.

الشهيد في عيون أحبَّته

وهنا تذكر والدته: في لحظات إستشهاده كنت أتصل به عن طريق (الموبايل)، وكان يرفض الإجابة لإنشغاله بمقاومة القتلة، وأنا الآن أفتخر به أفضل إفتخار، وأدعو الله أن يحفظ أخوته السائرين على نفس المنهج.

ويُضيف أحد أصدقاء الشهيد: أقول للشهيد الكبير (أبو فاطمة): نم مطمئناً، فما كنت تتمناه قد تحقَّق على أيدي أخوتك المقاومين، فقد خرج الإحتلال مدحوراً، على الرغم من إنَّنا كنّا نتمنى وجودك بيننا لتُشاركنا فرحة التحرير والإنتصار، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون لنا شفيعاً لنا يوم القيامة.

يرحل شهيد وتولد مشاريع استشهاد كثيرة من رحم أرض لا تقبل بالذل والهوان، ويبقى أبناء البصرة الفيحاء ملتفين حول ذكرى شهيدهم لؤي ولسان حالهم يقول: الشمس أجمل في بلادي من سواها.

لمشاهدة التسجيل الكامل لحلقة رجال صدقوا للشهيد المجاهد لؤي ابو فاطمة انقر على الرابط التالي

http://ahlualhaqmedia.com/video_watch_77.html 

 

قد يعجبك ايضا
يمكنكم تحميل تطبيق عصائب اهل الحق ومتابعة الاخبار اولاً بأول

التحميل الآن
التحميل لاحقاَ
%d مدونون معجبون بهذه: