الشهيد الشيخ البوطي .. إمتداد لنهج علماء التضحية والفداء

 

سجل حَدَث إستشهاد الشيخ البوطي الخميس الماضي إضافة نوعية لسجل الشهادات الرسالية العظيمة لعلماء الإسلام الثابتين المرابطين على خط الرسالة الإسلامية المحمدية الأصيلة .
هذا الخط كان قد تأسس منذ بدايته على فلسفة الشهادة التي بدونها تكون الرسالة الإسلامية الأصيلة بخطر كبير .

أما الخط الزمني لهذه الفلسفة فيمكن الحديث عنها طويلاً منذ الشهيد الأول سيدنا (هابيل) أو أن نبدأ بالإمام علي امير المؤمنين “ع” والذي إستشهد أثناء الصلاة في محراب مسجد الكوفة عام 40 هجـ ثم ليبدأ مسلسل الإغتيالات وإستهداف الأئمة واحداً بعد آخر أما قتلاً بالسيف كما حصل للإمام الحسين “ع” أو بدس السم كما حدث مع أغلب الأئمة “ع” من ذريته .

وما يميز هذا الخط أن رموزه هم علماء الإسلام أنفسهم بإعتبارهم الركيزة الأساس التي يبتني عليها الدين ومعالمه الحقيقية وليست الوهمية ، وأقول الحقيقية بسبب وجود رموز دينية وهمية ، بل هي عدوة للدين كما هو حال الجماعات التكفيرية والمتطرفين المنغلقين .

في العراق وقبل أربعة عقود وقف العلامة الشهيد الشيخ عبد العزيز البدري بصلابة بوجه السياسة الفرعونية للبعثيين منذ أول وصولهم السلطة وقرر التصدي لسياستهم الإجرامية فقاموا بإعدامه عام 1970م .

وقبل أكثر من ثلاثة عقود كانت جريمة إعدام شهيد العراق آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر واخته العلوية آمنة الصدر (بنت الهدى) عام 1980م بعد أن فشلت كل مُحاولات سلطة المقبور صدام بإغراء الشهيد الصدر الأول أو التأثير عليه وعلى مواقفه الإسلامية الوطنية المبدئية فلم يفلح ، بل رفع شعاراً غاية في الجرأة والشجاعة عندما قال : (لو كان إصبعي بعثياً لقطعته!) .

ثم جاء بعده شهيد الجمعة آية الله العظمى السيد محمد الصدر وبشكل تدريجي ليبدأ نهضته وثورته التغييرية البيضاء حتى نجح في قلب السحر على الساحر كما يعبرون فأحيا الخط الإسلامي الإيماني والوطني في نفوس شعب أنهكته حروب ومغامرات قائد أرعن مجنون ، ورغم كل التهديدات المتكرره له إلا أنه أخذ يُصعد من مواجهته بلا مبالاة لابساً كفنه الأبيض ويقف في منبر مسجد الكوفة وهو يصرخ مع المصلين (كلا كلا أمريكا .. كلا كلا إسرائيل .. كلا كلا يا شيطان كلا كلا يا باطل ..إلخ) حتى إنتهى الأمر بإغتياله مع نجليه في شباط 1999م .

وهكذا الأمر كان في جمهورية إيران الإسلامية التي قدمت العديد من الشهداء من مراجع وعُلماء كبار أمثار الشهيد الشيخ مرتضى المطهري والشهيد السيد محمد حُسين بهشتي وآخرون ..

وكذا في لبنان حيث إستشهد علماء مجاهدون من أمثال الشهيد الشيخ راغب حرب والشهيد السيد عباس الموسوي وآخرون .. وهكذا فضلاً عمن تعرض إلى محاولات إغتيال فاشلة كما حدث للمرجع الراحل العلامة السيد محمد حسين فضل الله في تفجير بئر العبد عام 1985م . 

ومسيرة الشهداء كانت وما زالت مستمرة في نهج التضحية والفداء في سبيل العقيدة والوطن ، ومما يزيدها جمالاً (الشهادة) عندما تكون من علماء ورموز العقيدة والدين والوطن .
وبالأمس يسقط في دمشق بسوريا العلامة الشيخ محمد سعيد البوطي مُضرجاً بدماءه في محراب الصلاة وهو الرجل العجوز ذو (84) عاماً والذي لا يملك حولاً ولا قوة في جسده إلا موقفه الإسلامي المبدئي العظيم عندما وقف بوجه الإرهاب الممول خليجياً والمدعوم تركياً والموجه والمخطط له أمريكياً وإسرائيلياً وكان يردد دائماً قوله (إسلامنا كما أمر القرآن .. لا كما أمرت أمريكا) فكان ثمن مواقفه هذه الشهادة التي طالما تمناها ودعا لأجلها .

والشيخ البوطي هو من مواليد عام 1929 ، وهو عالم مُتخصص في العلوم الإسلامية ، ومن أهم المرجعيات الدينية على مُستوى العالم الإسلامي فإختارته جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في دورتها الثامنة عام 1425هجـ/2005م ليكون (شخصية العالم الإسلامي) . 

عندما نستعرض سيرة هؤلاء العلماء الشهداء وحياتهم الملئية بالعطاء والتضحية في سبيل الإسلام والوطن فإن أول ما يلفت الإنتباه هو أن إستشهادهم جعلهم رموزاً خالدة لا يُمكن أن يُمحى أثرها مهما مر الزمن ، بل يصبحون رموزاً يُقتدى بنهجهم وتسير الأجيال على خطاهم المباركة .

ومن هؤلاء العالم الكبير الشهيد الشيخ البوطي الذي أصبح بعد إستشهاده نجماً في سماء العقيدة والوطن وفي ذات الوقت وصمة عار بتأريخ من إرتضى لنفسه الإرتماء بأحضان أمريكا وإسرائيل أو حتى من يعمل لديها من أعراب الخليج وحمقى الجوار المتصهينين أمثال أردوغان وغيره .

عاقبة الخلود ..
تُرى كم كان سيعيش الشهيد الشيخ البوطي بعد سنواته الأربع وثمانون ؟؟ وكم سيعيش بعد إستشهاده هذا ؟؟!! 

بلا شك فإن جريمة الإغتيال هذه جعلت من الشيخ البوطي شخصية خالدة تذكرها الأجيال الإسلامية من كُل المذاهب على أنه رمز من رموز الأمة الذين صمدوا ووقفوا بوجه الإستكبار العالمي ومن سار على نهجهم ومشى بركبهم الأسود من كل متردية ونطيحة . 

هنيئاً لك ولصحبك الشهادة في بيت الله أيها البوطي الشجاع ، ونسأل الله تعالى أن يحمي الإسلام وعلماءه الحقيقيين المعتدلين الواعين المجاهدين العاملين المؤمنين .


احمد رضا المؤمن

 

قد يعجبك ايضا
يمكنكم تحميل تطبيق عصائب اهل الحق ومتابعة الاخبار اولاً بأول

التحميل الآن
التحميل لاحقاَ
%d مدونون معجبون بهذه: