الشهيد السعيد حامد جاسب الكناني كــان يسعـى لتنظيـم العمــل المقــاوِم… فوجــد ضالتــه فــي أهــل الحــــق

 

عندما نتحدَّث عن الأحبَّة الشهداء، يتكسَّر الوقت فوق رؤوسنا، وينخلع القلب وتهتز شرفات الروح، وتهطل كلَّ شرايين الأبديَّة نازفة وهي تضجُّ بالبهاء.. لأنَّهم أثبتوا بتضحياتهم العظيمة،  بأنَّ أبطال المقاومة الإسلاميَّة لا يُمكن أن يكونوا سلعة في أسواق الدنيا وبهرجها، وأثبتوا أنَّهم السبّاقون للبذل والعطاء والسخاء، ليمنحوا غيرهم الحريَّة، ويرفعوا عنهم أغلال الاحتلال والتجهيل والخضوع والخنوع، التي كانت تقيِّدهم، ولعلها ما زالت؟!

إنَّ الحديث عن الأحبَّة الشهداء يكون مختلفاً تماماً، لأننا نتحدَّث في سيرة أناس من طرازٍ خاص، يختلفون – في سجاياهم وحكاياتهم وخباياهم – عن الغير، ومازالت ذكراهم متربِّعة فوق عروش الأرواح والقلوب.. والحديث عن أبطال المقاومة الإسلاميَّة حديث له طعم ومذاق خاص، يجرُّنا للدخول في عوالمهم الغربية العجيبة، التي أشبه ما تكون بالأساطير التي سمعناها وقرأناها، لكنها كانت الحقيقة الثابتة التي سطَّروها، وهم يذودون عن الدِّين والمقدَّسات وعن تراب بلد الأنبياء والأولياء، تاركين الدنيا – كلَّ الدنيا- ببهرجها وزينتها خلف ظهورهم. علينا أن نتذكَّر تلك القصص الرائعة لأبناء السيِّد الشهيد محمَّد محمَّد صادق الصدر (قُدِّس سرُّه)، والتي لا يمكننا المرور عليها مرور الكرام، لأنَّها المادّة الحيَّة لديمومتنا وبقاؤنا. فكيف ننسى من ترك عروسه بعد زفافه بيومين ليلتحق بإخوته المجاهدين؟ أم كيف ننسى من باع (جنبره) وغرفة أخشابه ليشتري بثمنهما ما يصفع به وجه الطائرات الأمريكيَّة؟ إنَّ الدماء الزكيَّة التي أهريقت من الأحبَّة الشهداء أبطال المقاومة، تُجبرنا على أن نبقى رابضين في صلاتنا خلف الولي الذي لا يموت أبداً، وتجبرنا أيضاً على عقد العزم أكثر في ممارسة خدمة الناس وخلاصهم من كلِّ قيد أو ظلم.علينا أن نقف مليّاً عند الغايات النبيلة التي من أجلها قدَّم الأبطال مُهجهم، ولا ننسى بأنَّ أحبَّتنا الأبطال قد كتبوا لنا عهد الخلاص والحريَّة بمداد أرواحهم، وهذا ما يُحتمُّ علينا أن نكون أوفياء ونحن نتعاطى مع مختلف القضايا المصيريَّة، بل وحتى في جميع سلوكيّاتنا. كما علينا إدراك أنَّ الأبطال قدَّموا تلك التضحيات الكبيرة من أجل الحفاظ علينا وعلى كلِّ المنجزات والمكتسبات التي تحقَّقت، وبالتالي نحن ملزمون – على المستوى الشرعيّ والوطنيّ والأخلاقيّ – بالحفاظ على ذلك العطاء الكبير. 

(المستشار)

رجال ديدنهم الجهاد، أنوفهم شُمٌّ تأبى الإنكسار، مذ تعلَّموا طريق الحسين (عليه السلام).. رجالٌ خُطَّت على جِباههم السُمر أولى كلمات الشهادة.. فتناخوا كالأسود حميَّة على العراق.. العراق الذي ما أنفك جرحه ينزف، فاستحال أديمه خليط دم.. رجال تعلّموا أن المجد يصنعه الرجال والبطولة مفخرة الأبطال، فقاموا ولايزال اللحم طريّاً والعود لم يتصلَّب بعد، والهدّام يستحكم القبضة على الرقاب، فأبوا إلاّ طريق الحسين.

وبهذه الظروف أنتج العراق أحد رجاله حامد جاسب الكناني ابن ميسان، ابن العمارة المجاهدة، ابن المجر الكبير، وهل يتأتى للكبير أن لا يلد الكبير؟ ففي عام 1972 م، ولد حامد من أبوين فقيرين مع أخوة وعِيال.. شبَّ الرجل على قيم القبيلة والروح الوثّابة لديه، طيِّب المعشر ويحبُّه كل من ألتقاه، والوجه الصبوح الذي – رغم شمس العمارة –  ظلَّ باسماً وضّاءً. كان حريصاً على إقامة صلواته، وكان قدر كل عراقي أن يلتحق بجيش هدّام، فلم ينهي حامد دراسته المتوسطة ولذلك كان لابد أن يلتحق بالخدمة العسكرية. ومن مقادير عبث النظام البعثي، أن يُلقى بإبن زاخو في تخوم البصرة، ويلقى بإبن الهور على قمم جبل أربيل، وأن يلقى بإبن العمارة في الأنبار، ليختلط الحابل بالنابل وتثار بينهم الفتن. 

السيرة والنشأة 

لعل الأهل هم الأقرب للإنسان في توصيفه والحديث عن صفاته، كونهم العائلة التي عاشت معه كل تفاصيل حياته، وهنا تتحدث لنا عائلة الشهيد السعيد حامد، فيقول والده عن بعض صفاته: كانت أخلاق ولدي الشهيد حامد أكثر من رائعة، فعلاوة على إلتزامه الديني، كان يحمل شعوراً إنسانياً كبيراً بجميع الناس، وكان يسعى لمساعدة الجميع من دون استثناء ويحاول أن يقدم كل ما يستطيع تقديمه.

أما أم زهراء زوجة الشهيد فتقول: لا يمكن لي أن أصف أخلاق زوجي الشهيد حامد بهذه العجالة، فجميع طباعه وخصاله جيدة جداً، وكان ملتزماً بواجباته الدينية على أتم وجه، حتى أنه كان لا يترك صلاة الليل، وكانت معاملته على أفضل ما يكون مع الجميع، سواء في البيت أم في خارج البيت، وهذا ما يشهد به الجميع.

وفي ذات السياق يتحدث أخوه خزعل فيقول: كان الشهيد حامد هو الأخ الأكبر لنا نحن الأربعة، ولم يكمل دراسته المتوسطة والتحق بالخدمة العسكرية، وعندما اندلعت حرب الخليج عام 1991، ترك الخدمة العسكرية، وقد عانى (رحمه الله) الكثير من المصائب والمحن التي مرَّت به، ومن تلك المحن هي مضايقات أزلام النظام له ومطاردتهم المتواصلة، حتى أننا انتقلنا من قضاء المجر الكبير إلى (المشرَّح) ولم تنتهي مضايقاتهم له، حتى اضطر للعودة إلى الخدمة العسكرية وإنهائها. ويضيف: من زاويتي لو أردت أن أصف الشهيد حامد، فأقول أن أبرز ما كان يميّز به هو الشجاعة، وكانت شجاعته لا توصف، بالإضافة إلى أن من الأمور المهمة التي ينبغي أن نذكرها هو مساعدته للآخرين، وكان من أوائل السبّاقين لفعل الخير.

الشهيد والنهضة الصدرية

هناك حيث ما لمدينة الأنبار من خصوصيات، وما إلى شهيدنا العزيز من إرث عشائري وديني ومراجع تقليد، كان (رحمه الله) يطيل صلاة الليل ويسبل عند الصلاة والتربة الممزوجة بتراب كربلاء لا تفارق جبهته، والمسبحة الخضراء يجدد فيها تسبيح الزهراء (عليها السلام)، إلا أن الحكم القائم آنذاك يعتبر العبادة جريمة، فحيكت لشهيدنا الدسائس وبتحريض من آمر وحدته العسكرية، وبخلاف يكبر شيئاً فشيئاً، وشهامة شهيدنا البطل وعزَّته تأبى إلا أن تقوده إلى السجن المؤبد، وهكذا تستأصل البطولة في زمن الهدّام.ولكن مشيئة الباري عزَّ وجل خطَّطت للبطل مصيراً آخر، فبعد أربعة سنوات من سجنه يفرج عنه بالعفو العام، وشاءت مشيئة الله أن يكون لحامد موعد مع صلاة الجمعة في مسجد الكوفة ويستمع إلى كلمات المولى المقدَّس: (كلا كلا للباطل.. كلا كلا أمريكا.. كلا كلا للطغيان) دكت هذه الكلمات أساسها في روح وعقل حامد، فاختط طريق العلم ليتنهل من غدق مائها الفقه والأصول والرجال في مسجد (البدراوي) في المجر، إلا أن رجال البعث الكافر أحالوا حياته إلى محض جحيم، كونه هارباً من الخدمة العسكرية، رفضاً منه الإنصياع إلى مجنون أهوج، تسلَّ على رقاب الخلق، فأضطر إلى ترك المجر الكبير متوجّهاً إلى صوب المشرَّح حيث بيت العم، عَلَّه ينعم قليلاً بالأمان، ومارس هناك في أهوار المشرَّح دوراً جهادياً جديداً، فأخذ من معاونة أخوانه من مجاهدي الأهوار بصولاتهم ضد النظام الهدّامي الفاسد، إلا أن أزلام البعث وصلوا إليه مرَّة أخرى، فأضطر للعودة ثانية إلى المجر.

وهنا يتحدث أخو الشهيد: عندما ظهر السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) كان الشهيد حامد من الذين استجابوا إلى النهضة الصدرية، فأخذ بدراسة العلوم الدينية والقيام بالأنشطة الثقافية التوعوية بين المجتمع.

وهكذا كانت ملاحقات البعث وأزلامه لحامد، وكل تلك الملاحقات لم تثنه عن مواصلة السير في طريق السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، فأول ملبي لبّى دعوة السيد المولى المقدَّس للزيارة الشعبانية سيراً على الأقدام إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وكانت أولى المواجهات في ذلك الخط الشريف، حيث تعرَّض زوّار أبي عبد الله الحسين للضرب من قبل أزلام النظام، فضرب الشهيد السعيد وشجَّ رأسه، فكانت هذه الحادثة مبعث إصرار على التواصل والمضي في درب المولى المقدَّس. ويضيف خزعل جاسب- أخو الشهيد: بعد أن أُطلق سراحه من الحكم المؤبَّد، توجَّه أكثر للتعاليم الدينية وبدأ يُقلِّد السيد الشهيد الصدر (قدس سره) وكان مواظباً على أداء صلاة الجمعة، وقد تعرَّض للكثير من المضايقات جرّاء ذلك، ومن الحوادث المهم في هذا الصدد هي التي جرَّت معه أثماء تأدية مراسيم الزيارة الشعبانية التي أمر بها السيد الشهيد الصدر، حيث أصيب برأسه من قبل أزلام النظام الذي لاحقوهم أثناء الطريق. 

كان الشهيد حامد متعلق كثيراً بالسيد الشهيد الصدر (قدس سره)، لأن ظهور السيد الشهيد كان له الأثر الكبير في تغيير المجتمع العراقي نحو الأفضل، مما أجبر الناس على الإلتفاف حوله والسير في طريقه والإحتكام لما يصدر منه، فكان الشهيد حامد من ضمن الناس الذين تفاعلوا مع النهضة الصدرية وانسجموا معها واندكوا فيها.  وهنا كانت للشهيد حامد جاسب الكناني وقفة تأمُّل كبرى في حياته، حيث ملأ حب السيد الشهيد الصدر قلبه، وأخذ يبادر الأخوان والأصدقاء بتعاليم المرجع الكبير، كونه الملاذ والمنقذ الوحيد وقتذاك. وكان السيد الشهيد الصدر (قدس سره) تلك القامة الفارعة التي تشد أزر الثائرين، إلا أن الصدمة الكبرى كانت باستشهاد المولى المقدَّس، فكانت الصدور حرّى والقلوب منكسرة، لتقضي على المنار الذي يطل منه أتباعه على العالم، فبادر الشهيد حامد جاسب مع مجموعة من الرفاق في محاولة تنفيذ عملية ضد النظام البعثي، كردة فعل على قتل السيد الشهيد، إلا أن الإمكانات الضعيفة وقلة الخبرة وغطرسة وتجبُّر النظام، حالت دون تنفيذ العملية، ولكنها كانت البادرة ولا بأس. وهنا يروي لنا عباس غانم- ابن عم الشهيد حامد أحواله بعد اغتيال السيد الشهيد الصدر، فيقول: لقد كان الشهيد حامد من الملتزمين بخط السيد الشهيد الصدر خير إلتزام، وكان السيد الشهيد الصدر بالنسبة له، أشبه بالشعلة الوهّاجة التي تضيء له الطريق، وقد اضطربت جميع أحواله بعد اغتيال السيد الشهيد الصدر إلى درجة لا توصف، حتى أنه كان أحياناً يمشي حافياً دون أن يلتفت إلى ذلك، ومن أجل الإنتقام والثأر للسيد الشهيد الصدر قرَّر مع مجموعة من الأخوة تنفيذ عملية كبيرة ضد النظام البعثي، بعد أن قاموا بتشكيل بعض المجاميع لمواجهة السلطة البعثية، إلا أن العملية لم تُنّفَّذ لأسباب كثيرة، وبقي الشهيد حامد على فكر السيد الشهيد ونهجه، وكان دائماً ما يقول لنا بأن السيد الشهيد الصدر لم يمت، بل هو حي يرزق. 

الشهيد بعد الاحتلال الأمريكي

وبعد سقوط الصنم، داست الأقدام النجسة أرض إبراهيم وآدم ونوح، أرض علياً والحسين والعباس (سلام الله عليهم أجمعين)، إغرورقت المآقي بالدموع، وما مهد وتنبّأ به الصدر الشهيد قد حدث، وهذه أميركا تطأ أرض العراق ومعها فلول الكفر والظلال، وتبدأ مع حامد مرحلة جديدة، فألتحق بادئ الأمر باللجان الشعبية لتوفير الخدمات للمواطنين، وبعد إزدياد عنت المحتل وقيام معركة النجف الأشرف، بادر الشهيد للإسراع بالإلتحاق بأخوته المجاهدين، فكان أسداً من أسودها. وهنا يتحدث لنا صديق الشهيد المجاهد أبو مصطفى -صديق الشهيد حامد فيقول: كان الشهيد حامد من الأوائل الذين التحقوا بالنجف الأشرف وشاركوا في الانتفاضة المباركة التي اندلعت بعد الإعتداء على المراقد المقدسة من قبل قوات الإحتلال، ثم رجع بعدها منطقته في قضاء المجر الكبير وشارك في عمليات جيش الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ضد قوات الاحتلال وكان آمراً لإحدى سرايا جيش الإمام المهدي.

وفي نفس السياق يذكر ابن عم الشهيد عباس غانم ويقول: بعد دخول قوات الاحتلال الأمريكي إلى العراق، بدأ الشهيد حامد مرحلة جديدة في حياته، وهي مرحلة مقاومة الاحتلال، وكان في بداية الأمر آمراً لإحدى السرايا في جيش الإمام المهدي، ثم أصبح آمراً لواحد من القواطع في المحافظة، ثم أصبح مشرفاً على جميع المعمليات، وكانت له الكثير من العمليات البارزة.

الشهيد بين أهل الحق 

كان (رحمه الله) يعاني ورفاقه من قلة الدعم وضعف الإمكانات العسكرية مقارنة بسلاح العدو، فكانت القاذفات المستخدمة لا تؤثر بمنجزرات المحتل وآلياته وكذلك الأسلحة الأخرى، إلا أنه رغم ذلك كان يبحث عن عمليات نوعية توثر بالعدو وتدمي قلبه، وكان خط الشروع نحو العمليات النوعية اختيار الشهيد حامد جاسب للإنضمام إلى المجاميع الخاصة، فكان حسن أخلاقه وتديُّنه وشجاعته، هي الرسائل التي دعت عصائب أهل الحق المباركة لدعوته للإنضمام إليها.

وعن تفاصيل هذا الموضوع يتحدث أحد المجاهدين من أصدقاء الشهيد حامد فيقول: عندما كُنّا في جيش الإمام المهدي (عليه السلام) وكُنّا نقوم بمقاومة الاحتلال ونعاني كثيراً من قلَّة الإمكانيات من حيث التجهيز والتسليح، ولهذا كانت عملياتنا لا تؤثِّر كثيراً على قوات الاحتلال، وهذا ما دعا قادة المقاومة الإسلامية لتشكيل المجاميع الخاصة، وهكذا أنضم إليها الشهيد حامد، وقام بتنفيذ بعض العمليات النوعية المهمة.

من صور البطولة والفداء

وهكذا بدأ مشوار ثورة المجاهدين على الشهيد حامد، ويروى عن عملياته البطولية الشيء الكثير، إلا أنه (رحمه الله) كان كتوماً حريصاً كل الحرص على أسرار مجموعته، غير أن الشمس لا يحجبها الغربال.ومن العمليات البطولية التي يحس المرء إزائها بالفخر، هي عملية الطائرات في مطار القلعة، فبينما الشهيد السعيد جالس مع رفاق له يتدارسون أمورهم العسكرية، فإذا باتصال هاتفي مع مجموعة الاستطلاع التي زرعها الشهيد في أرجاء المدينة للحصول على الإحداثيات وأخبار تحرّك العدو، فإذا بالخبر يقول أن طائرات للقوات البريطانية المحتلة تنزل مطار القلعة، فبسرعة الصقر ووثبة الليث، انطلق الشهيد السعيد حامد بجمع الأسلحة اللازمة للمهمة، ومنها صواريخ مخصصة للطائرات، وقام (رحمه الله) بنقلها بسيارته الخاصة وقام كذلك بربطها وتهيئتها وكان مصرّاً على تنفيذ المهمة بنفسه وكان له ما أراد، فضربت طائرات العدو وكانت النتائج باهرة، فحقاً هي صولة الأسد الغيور. لازال الأنجاس يواصلون محاولاتهم للنيل من المواطن العراقي،  فهاهي قوات الاحتلال البريطاني تنزل قواتها في قضاء المجر الكبير وفي منطقة (الروضة) تحديداً في عملية قذرة، راح ضحيتها بين خمسة إلى ستة من أبناء جيش الإمام المهدي (عليه السلام) وكذلك بعض المدنيين، وبعد دقائق قليلة وصل الخبر إلى مسامع شهيدنا البطل، وكان يُخبِّئ في بيته هاوناً صغيراً عِيار (60) ملم، فأخذه واتصل برفاقه هاتفياً واجتمعوا وانطلقوا إلى بستان في المجر، وقام (رحمه الله) بنصب الهاون وتوجيهه نحو قوات الاحتلال الغاشم، فأصابها بمقتل وكبَّدها خسائر فادحة ثأراً منها لأخوته الشهداء. رغم البطولة والفداء العاليين لدى شهيدنا البطل إلا أن عينه ترنو دائماً نحو أمه وترقب (زهراء) ابنة الشهيد وهي تكبر أمام ناظريها، تُحَلِقُ خمسة أقمار نحو منقذ الشتاء والجدة تحنو عليه وعليهم، ذلك الأب الطيب الذي رفض الزواج من ابنة عمه التي لاتراه سوى أنه أخ، وهو الرجل القبلي الذي تربّى على تاريخ الزيجات، إلا أنه يرفض بإباء الرجولة، لأن الشرع أحوط، ويرضى بالصغير من بنات عمه لتكون نعمة الزوجة ونعم الناصر.

في رحاب الشهادة

كان (رحمه الله) يحمل روحه على كفّه وكان حلم الشهادة لا يبارحه أبداً، وكان يله جبها دوماً ويوصي رفاقه بها، ويدعو الله عزَّ وجل بأن ينالها، فكتب وصيته ووصّى أمه بأن تملئ الدنيا زغاريد عن استشهاده وأن تحافظ على تركته وأولاده الخمسة وأكبرهم (زهراء). وهنا تقول والدته: عندما كنت أطلب من الحذر والإنتباه إلى نفسه، كان يجيبني بأن قد نذر نفسه إلى الشهادة وأن لا يحيد عنها أبداً، وقد أوصاني بأن ننتبه لرعاية زوجته وأطفاله، وقال بأنه سيذهب في طريق الإمام الحسين (عليه السلام)، بل وقد أوصاني بأن أفرح وأنثر الزهور والزغاريد عند شهادته. وهنا أيضاً تقول زوجته: لقد أبلغني بأنه قد كتب وصيته وكان ذلك قبل أربعة أيام من استشهاده، وكنت غير مبالية بما قال، لأني أدرك بأن المؤمن عليه أن يكتب وصيته في كل حال، وهكذا قد كتب وصيته واحتفظ بها، ولم أكن أتوقّع بأن ذلك مقدمة لشهادته، وكان أكثر ما موجود في وصيته هو ضرورة الإلتزام بالتعاليم الدينية والثيبات على طريق السيد الشهيد الصدر (قدس سره).

وهكذا شاءت الأقدار وما أراد الله فعل، ولأنه البطل الذي لايفوته واجب اجتماعي أو ديني أو وطني، فإذا به يذهب لظهور مجلس عزاء لأحد الأصدقاء، وكان هو على موعد يجمعه مع رفاقه في بيت الحاج فاضل، فاتصل (رحمه الله) بالمجاهد أبي مصطفى وطلب منه التوجّه إلى بيت الحاج فاضل، وتواعدا هناك للتخطيط إلى عملية جديدة تكسر ظهر المحتل، وكان الموعد، أعاد (رحمه الله) قراءة سورة الفاتحة وركب سيارته وتوجّه للوعد الحق، فدخل المجاهد أبو مصطفى من أحد الفروع والشهيد حامد من فرع آخر ليلتقيا عن الحاج، إلا أنهما لم يلتقيا، فكان الموعد مع الله أسرع، والشهادة التي بدأت توّاقة لأبي زهراء استعجلته للحاق بها، فكانت رصاصات الغدر الخمسة والثلاثين أسرع إلى جسد الشهيد، فاستقرّت به وقرّت عينه بملاقات رب كريم، وكان حامد جاسب الكناني رجلاً صدق ما عاهد الله عليه.

وهكذا الفخر، كل الفخر لأبي زهراء، نعم لم يمت، بل هو في عليين، فالأم تفخر بأبنها والزوجة تفخر بزوجها، وكذلك الأب والأخ، نعم فحامد وكل الشهداء السعداء، هم مصداق حق لقوله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

 

قد يعجبك ايضا
يمكنكم تحميل تطبيق عصائب اهل الحق ومتابعة الاخبار اولاً بأول

التحميل الآن
التحميل لاحقاَ
%d مدونون معجبون بهذه: